لماذا تُنفق المؤسسات أموالاً طائلة على شراء أدوات الذكاء الاصطناعي ثم تكتشف بعد عام أنّ شيئاً لم يتغيّر في طريقة عملها، بل ربّما ازداد فريقها تذمّراً وتشتّتاً؟
المفارقة أنّ القائد الذي يظنّ أنّه اشترى التحوّل حين وقّع عقد الترخيص يكون قد أخطأ التشخيص من أوّل خطوة، إذ تعامل مع مسألة ثقافية وإنسانية بوصفها مسألة تقنية ومالية. والحقيقة التي تتكشّف يوماً بعد يوم أنّ العائق الأكبر أمام تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنظمات لم يعد كلفة النماذج ولا ندرة الخوارزميات، بل خوف الإنسان، ومقاومته الصامتة، وثقافةٌ تنظيمية لم تُهيّأ لاستقبال شريكٍ جديد في غرفة العمل. ومن هنا ينبغي أن يبدأ كلّ قائد جادّ، لا من السؤال أيّ أداة أشتري، بل من السؤال الأعمق: كيف أُعدّ فريقي نفسياً ومعرفياً وثقافياً كي يرى في هذه الموجة فرصةً لا تهديداً؟
لقد دلّت تجارب التحوّل الرقمي على مدى عقدين على قاعدةٍ صارت شبه راسخة، وهي أنّ معظم مبادرات التحوّل لا تتعثّر لأسباب تقنية بل لأسباب بشرية وتنظيمية. وتشير دراسات نُشرت في هارفارد بزنس ريفيو إلى أنّ نسبةً مرتفعةً من برامج التحوّل الرقمي لا تحقّق أهدافها المعلنة، وأنّ السبب الغالب يكمن في إغفال البُعد الإنساني: غياب الرؤية الواضحة، وضعف التواصل، ومقاومة الموظفين الناشئة عن الخوف على مواقعهم. وحين انتقلنا من التحوّل الرقمي إلى موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، تضاعف هذا التحدّي بدل أن يخفّ، لأنّ الأداة هذه المرّة لا تكتفي بأتمتة المهام الروتينية بل تطال قلب العمل المعرفي ذاته، فتلمس هوية الموظف المهنية وإحساسه بقيمته. وهنا يخطئ كثير من القادة حين يفترضون أنّ مجرّد إتاحة الأداة سيقود إلى تبنّيها، فالناس لا يتبنّون ما يخافونه مهما بلغت كفاءته.
ولأنّ التشخيص الدقيق نصف العلاج، يجدر بنا أن نفكّك طبيعة المقاومة بدل إدانتها. فالموظف الذي يُحجم عن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة كسولاً أو رافضاً للتطوّر، بل كثيراً ما يكون عاقلاً يقرأ إشاراتٍ متناقضة: قيادةٌ تطلب منه أن يتبنّى الأداة بينما تربط مكافآته بمقاييس قديمة، ومؤسسةٌ تُبشّر بالكفاءة بينما يخشى هو أن تكون الكفاءة اسماً مهذّباً للاستغناء عنه. وتؤكّد أبحاث صدرت عن كلّية إم آي تي سلون للإدارة أنّ الفجوة بين تبنّي الأفراد للذكاء الاصطناعي في حياتهم الشخصية وتبنّيه في عملهم تتّسع، وأنّ المؤسسات التي تجني عائداً حقيقياً ليست تلك التي أنفقت أكثر على التقنية، بل تلك التي أعادت تصميم عملياتها وثقافتها حول الأداة. يرى الكاتب أنّ جوهر الإخفاق هنا تعاقدي ونفسي قبل أن يكون تقنياً، فالمؤسسة التي تطلب من موظفيها أن يتبنّوا أداةً قد تُلغي بعض مهامهم، من دون أن تقدّم لهم عقداً نفسياً جديداً يطمئنهم على مستقبلهم، تطلب منهم في حقيقة الأمر أن يحفروا قبورهم بأيديهم، فلا عجب أن يتباطؤوا.
وحين ننظر إلى ما يميّز المؤسسات التي نجحت في هذا الانتقال، نجد أنّ القاسم المشترك ليس عبقرية فردية في القمّة بل نمطٌ من القيادة يصحّ أن نسمّيه القيادة التحويلية. وهذا المفهوم الذي بلوره الباحث جيمس مكغريغر بيرنز ثمّ طوّره برنارد باس ليس شعاراً جذّاباً، بل وصفٌ لقائد يحرّك أتباعه عبر معنى يتجاوز المصلحة المباشرة، فيرفع تطلّعاتهم ويُلهمهم رؤيةً ويُحفّزهم فكرياً ويعتني بكلّ واحد منهم بوصفه فرداً لا ترساً. والفارق بين هذا النمط وبين القيادة التبادلية التي تكتفي بمنطق الثواب والعقاب يصبح حاسماً في زمن الذكاء الاصطناعي، إذ لا يكفي أن تأمر الناس باستخدام الأداة، بل ينبغي أن تُقنعهم بأنّ هذا الاستخدام يخدم معنى أكبر يؤمنون به ومستقبلاً يرونه لأنفسهم فيه. فالتبنّي الحقيقي طوعيّ بطبيعته، ولا يُنتزع طوعٌ بالأمر. وقد بيّنت أدبيات إدارة التغيير، ولا سيّما نموذج جون كوتر في جامعة هارفارد، أنّ التحوّل الناجح يمرّ بمراحل يصعب اختصارها أو القفز فوقها، أوّلها خلق إحساسٍ بالإلحاح يُقنع الناس بأنّ البقاء على ما هم عليه أخطر من التغيير، ثمّ بناء تحالفٍ موجّه يحمل الرؤية، ثمّ تحقيق مكاسب قريبة تُثبت جدوى المسار. والقائد الذي يتجاوز هذه المراحل ظنّاً منه أنّ الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه بذكائه وحده، يكتشف متأخّراً أنّ الذكاء التقني لا يعوّض غياب الذكاء القيادي.
ومن المفارقات التي يندر أن يلتفت إليها الخطاب السائد أنّ أكثر ما يخشاه القادة، وهو أن يقاوم الفريق التغيير، كثيراً ما يكون انعكاساً لسلوكهم هم لا لسلوك الفريق. فالقائد الذي يتبنّى الأداة في خطاباته وحدها بينما يتجنّبها في ممارساته اليومية يبثّ رسالةً مفادها أنّ الأمر دعائي لا جوهري. يرى الكاتب أنّ أبلغ ما يفعله القائد في هذه المرحلة هو أن يصير هو نفسه أوّل المتعلّمين، أن يُظهر ضعفه أمام التقنية الجديدة لا قوّته المصطنعة، أن يقول لفريقه إنّي أتعلّم معكم وأُخطئ معكم. فالقيادة بالقدوة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تعني إتقان الأداة قبل الجميع، بل إظهار الاستعداد للتعلّم أمام الجميع، لأنّ الفريق يقيس جدّية التحوّل بما يفعله القائد لا بما يقوله، وحين يرى قائده يجرّب ويُخطئ ويتعلّم علناً، يتحرّر هو الآخر من خوف الخطأ الذي يشلّ المبادرة.
وحين ننقل هذا التحليل إلى السياق العربي، تتّضح خصوصيةٌ تستحقّ التأمّل. فالثقافات التنظيمية في كثير من مؤسساتنا تميل إلى تقديس التراتبية وتجنّب الخطأ والإحجام عن السؤال خشية الظهور بمظهر الجاهل، وهذه كلّها سماتٌ تتعارض مع روح التعلّم التجريبي التي يتطلّبها الذكاء الاصطناعي. ومن هنا تكون مهمّة القائد العربي مزدوجة: عليه أن يبني ثقافة الأمان النفسي التي تجعل التجربة والخطأ مقبولين، وهو مفهومٌ أرسته الباحثة في جامعة هارفارد إيمي إدموندسون حين بيّنت أنّ الفرق الأعلى أداءً ليست تلك التي تُخفي أخطاءها بل تلك التي تشعر بالأمان الكافي للاعتراف بها والتعلّم منها. ورؤية السعودية ألفين وثلاثين تقدّم في هذا الباب أرضيةً خصبة، إذ تجعل من تطوير رأس المال البشري وبناء اقتصاد المعرفة هدفاً وطنياً، وتطلق مبادرات لرفع كفاءة القوى العاملة في التقنيات الناشئة. غير أنّ يرى الكاتب أنّ النصوص الطموحة لا تصنع التحوّل وحدها ما لم تتبعها قيادةٌ ميدانية في كلّ مؤسسة تترجم الرؤية الوطنية إلى ثقافةٍ يومية يعيشها الموظف على مكتبه.
فما الركائز العملية التي تتبلور من هذا التحليل؟ الركيزة الأولى أن يصوغ القائد رؤيةً واضحة تربط الذكاء الاصطناعي بغايةٍ يفهمها الفريق ويؤمن بها، فالناس لا يتحمّسون لأداة بل لمعنى، وحين يدركون أنّ الأداة تحرّرهم من العمل المملّ لينصرفوا إلى ما هو أرفع قيمةً وأكثر إنسانية، يتحوّل خوفهم إلى فضول. الركيزة الثانية أن يُعيد القائد تصميم العقد النفسي صراحةً، فيُعلن بوضوح أنّ غاية التبنّي ليست تقليص العدد بل مضاعفة الأثر، وأنّ الاستثمار في إعادة تأهيل الموظف الحالي مقدّمٌ على استبداله، وهذا الإعلان حين يُسنَد بأفعال يحوّل المقاومة إلى شراكة. الركيزة الثالثة أن يُبنى التأهيل على التدرّج لا الصدمة، فيبدأ بمشروعات صغيرة محدّدة تحقّق انتصاراتٍ مبكّرة ملموسة يراها الجميع، لأنّ النجاح الصغير المرئيّ أبلغ من ألف خطاب تحفيزي.
أمّا الركيزة الرابعة فهي بناء الكفاءة المعرفية لا مجرّد المهارة التشغيلية، إذ لا يكفي أن يتعلّم الموظف الضغط على الأزرار، بل ينبغي أن يفهم منطق الأداة وحدودها وتحيّزاتها كي يستخدمها بحكمة ويُساءلها بدل أن يُسلّم لها. وتؤكّد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي عن مستقبل الوظائف أنّ مهارات التفكير النقدي والتعلّم النشط والمرونة الذهنية تتصدّر قوائم الكفاءات المطلوبة، وأنّ ما تحتاجه المؤسسات ليس عمّالاً يطيعون الآلة بل بشراً يوجّهونها. الركيزة الخامسة أن تُؤسَّس حوكمةٌ واضحة وأخلاقياتٌ صريحة لاستخدام الأداة، فالأمان النفسي لا يتعارض مع المساءلة بل يكتمل بها، والفريق الذي يعرف أين تنتهي صلاحيات الآلة وأين تبدأ مسؤوليته البشرية يعمل بثقةٍ أكبر لا أقلّ. والركيزة السادسة، وهي ربّما الأعمق، أن يحتفي القائد بالتعلّم لا بالإتقان وحده، فيكافئ من جرّب وأخفق وتعلّم بقدر ما يكافئ من نجح، لأنّ ثقافةً تعاقب التجربة الفاشلة تقتل الابتكار في مهده.
ويرى الكاتب أنّ ثمّة بُعداً يُغفل كثيراً في زحمة الحديث عن الأدوات والمهارات، وهو أنّ تأهيل الفريق للعمل مع الذكاء الاصطناعي ليس مشروعاً له بداية ونهاية بل صيرورةٌ دائمة. فالأداة التي يتقنها الفريق اليوم ستتغيّر غداً، والمهارة التي اكتسبها هذا العام قد تتقادم في العام المقبل، ومن ثمّ فإنّ أنفع ما يبنيه القائد ليس مهارةً بعينها بل قدرةً على التعلّم المتجدّد وعادةً ثقافية تجعل من إعادة التأهيل جزءاً من إيقاع العمل لا حدثاً استثنائياً. والمؤسسة التي ترسّخ هذه العادة تكتسب مناعةً لا تملكها منافستها التي تطارد كلّ موجةٍ جديدة وهي لاهثة، لأنّها بنت آلةً للتكيّف لا مجرّد مهارةٍ مؤقّتة. وهنا يتحوّل القائد من مدير مشروعٍ تقني إلى صانع ثقافةٍ تتعلّم، وهذا هو الفرق الجوهري بين من يستعير المستقبل ومن يصنعه. وتشير دراسات أُجريت في جامعة ستانفورد إلى أنّ المؤسسات التي تتبنّى ما يُعرف بعقلية النموّ، أي الإيمان بأنّ القدرات تُكتسب بالجهد لا تُمنح بالفطرة، تتفوّق على نظيراتها في استيعاب التقنيات الجديدة، لأنّ موظفيها يرون في الصعوبة دعوةً للتعلّم لا دليلاً على العجز. وهذا يضع على عاتق القائد مسؤوليةً دقيقة: أن يصوغ خطاباً داخلياً يُحوّل كلّ إخفاقٍ مع الأداة إلى درسٍ جماعي، وأن يحرص على أن تكون لغة المؤسسة عن الذكاء الاصطناعي لغة شراكةٍ وتمكين لا لغة استبدالٍ وتهديد.
ولعلّ أصدق ما يُختم به القول إنّ السؤال الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي على القادة ليس سؤالاً عن التقنية بقدر ما هو سؤالٌ عن القيادة ذاتها: هل نملك الجرأة على تغيير أنفسنا قبل أن نطلب من فرقنا أن تتغيّر؟ فالمؤسسات لا تتبنّى الذكاء الاصطناعي، بل البشر هم من يتبنّونه أو يقاومونه، والبشر لا يتحرّكون بالأوامر بل بالمعنى والثقة والأمان. وإذا كانت الموجات التقنية السابقة قد كافأت من امتلك رأس المال أو التقنية، فإنّ هذه الموجة ستكافئ من امتلك رأس المال الثقافي والإنساني، أي القدرة على بناء فرقٍ تتعلّم بلا خوف وتجرّب بلا قلق وتتكيّف بلا تردّد. ومن يدرك أنّ التحوّل يبدأ من القلوب قبل العقول، ومن القائد قبل الفريق، ومن الثقافة قبل الأداة، فهو وحده من سيرى مؤسسته تعبر الموجة لا غارقةً فيها بل راكبةً لها، تصنع من الذكاء الاصطناعي شريكاً يُضاعف إنسانيتها لا منافساً يبتلعها.