أيُّ عبثٍ أن تنفق المؤسسات المليارات على تدريب موظفيها على الذكاء الاصطناعي، ثم لا تملك حين تُسأل عن جدوى ما أنفقت إلا أن تشير إلى عدد الحاضرين وساعات الجلوس في القاعات، كأن الحضور علمٌ والجلوس إتقان؟
فالشركات تتسابق اليوم إلى برامج تدريبية باهظة تَعِد بأن تجعل كوادرها سادةً للتقنية الجديدة، لكنها حين تطالَب بدليلٍ على عائد إنفاقها تجد نفسها عاريةً من المقياس، تقيس النشاط فتحسبه إنجازاً، وتعدّ الشهادات فتظنها كفاءة. وفي هذه الفجوة بين ما يُنفَق وما يُعرَف عن أثره يكمن سؤالٌ يتهرب منه كثيرون انشغالاً ببريق المبادرات: هل نحن نستثمر في معرفةٍ تتحول إلى قيمة، أم نشتري طمأنينةً زائفة بأننا نواكب العصر؟ والمفارقة أن من يبني نماذج الذكاء الاصطناعي يقيس كل شيء بدقةٍ مذهلة، بينما من يدرّب البشر عليها يكتفي بانطباعاتٍ غائمة، فصار المتدرب أعسر قياساً من الخوارزمية التي يتعلمها.
ولفهم جذر هذا الخلل ينبغي أن نعي أن قياس أثر التدريب علمٌ قديم سبق ثورة الذكاء الاصطناعي بعقود، لكنه ظل حبيس النظريات قليل التطبيق. فمنذ ستينيات القرن الماضي وضع الباحث دونالد كيركباتريك نموذجه الشهير في تقييم التدريب على أربعة مستويات متدرجة: رضا المتدرب، ثم تعلّمه الفعلي، ثم تغيّر سلوكه في العمل، ثم أثر ذلك في نتائج المؤسسة. والمأساة أن أغلب المؤسسات تقف عند المستوى الأول، تسأل المتدرب إن كان راضياً عن القاعة والمدرب والقهوة، ثم تطوي الملف وكأن الرضا غايةٌ في ذاته. وقد دأبت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف على التنبيه إلى أن الفجوة بين المهارات المطلوبة والمتوفرة تتسع لا تضيق، رغم تضخم الإنفاق على إعادة التأهيل، ما يكشف أن المشكلة ليست في كمّ التدريب بل في غياب البوصلة التي تقيس تحوّله إلى مهارةٍ منتجة. ويرى الكاتب أن أزمة قياس العائد المعرفي ليست أزمة أدواتٍ مفقودة في المقام الأول، بل أزمة إرادةٍ تتهرب من المساءلة، إذ يخشى من يصمم البرامج أن يكشف القياس قصور برامجه، فيؤثر ضباب الانطباع على وضوح الرقم. ولعلّ من أعجب ما في الأمر أن المؤسسة ذاتها التي تحاسب كل ريال يُنفَق على المواد الخام أو حملات التسويق محاسبةً صارمة، تتساهل تساهلاً عجيباً حين يتعلق الأمر بإنفاقها على عقول موظفيها، كأن المعرفة بضاعةٌ لا تُسأل عن عائدها، أو كأن مجرد إرسال الموظف إلى دورةٍ تدريبية إنجازٌ يُحتسَب وإن عاد كما ذهب لم يتغير فيه شيء.
وثمة بُعدٌ أعمق نادراً ما يُلتفت إليه، وهو أن تدريب الذكاء الاصطناعي يختلف اختلافاً جوهرياً عن سائر صنوف التدريب، فيستعصي على المقاييس الموروثة. فالمهارة هنا ليست معرفةً ثابتة تُحفَظ وتُختبَر، بل قدرةٌ متجددة على التكيف مع أدواتٍ تتغير كل بضعة أشهر، حتى إن ما يتعلمه الموظف اليوم قد يتقادم قبل أن تكتمل دورته. وقد نبّهت دراساتٌ صادرة عن مختبرات معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أن القيمة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تكمن في إتقان أداةٍ بعينها بل في امتلاك القدرة على التعلم المستمر وإعادة توظيف المعرفة في سياقاتٍ جديدة. ومعنى ذلك أن المقياس الصالح لا يسأل: هل أتقن الموظف هذه الأداة؟ بل يسأل: هل صار أقدر على ترويض ما سيأتي من أدوات؟ ويرى الكاتب أن هذا التحول يقلب معادلة القياس رأساً على عقب، فالعائد المعرفي الحقيقي لا يُقاس بما حفظه المتدرب من خوارزميات، بل بما اكتسبه من مرونةٍ ذهنية تجعله يطوّع الجديد بدل أن يرتبك أمامه. ولهذا فإن المقاييس التي تلتقط لحظةً ثابتة من المعرفة، كاختبارٍ يُجرى في ختام الدورة، تكاد تكون عديمة الدلالة في هذا الميدان، لأنها تصوّر سكوناً في عالمٍ لا يعرف السكون، وتشهد على إتقانٍ آنيٍّ سرعان ما يتبدد إن لم يُسنَد بثقافة تعلّمٍ دائم تُغرَس في المتدرب لا تُحقَن فيه حقناً عابراً.
والرؤية السائدة تطمئن إلى أن قياس العائد مسألة جداول مالية صرفة، وأن ما يُنفَق على التدريب يُقابَل بما يُوفَّر من تكاليف أو يُجنى من أرباح، فينحصر القياس في معادلة العائد على الاستثمار التقليدية. ويخالف الكاتب هذا الاختزال المالي، إذ ليست كل قيمةٍ معرفية قابلةً للترجمة الفورية إلى عملة، فثمة عوائد لا تظهر في الميزانية وإن كانت أعمق أثراً: ثقةٌ تتولد في الكوادر فتجرؤ على المبادرة، وثقافةٌ تنشأ فتحتضن التغيير بدل أن تقاومه، وقدرةٌ على طرح السؤال الصحيح على الآلة بدل تلقي إجابتها صاغراً. وقد أشارت أبحاثٌ في كلية هارفارد للأعمال إلى أن المؤسسات التي تجني الثمرة الكبرى من الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي تشتري أحدث الأدوات، بل تلك التي تعيد تصميم طرائق عملها حول هذه الأدوات، وهو تحولٌ ثقافي لا تلتقطه المعادلات المالية المباشرة. ويرى الكاتب أن قصر القياس على العائد المالي العاجل يقتل أنفس ما يثمره التدريب، إذ يدفع المؤسسة إلى تبنّي برامج سطحية سريعة العائد على حساب برامج عميقة بطيئة الثمر، فتربح الحساب وتخسر الجوهر.
ولا يفوتنا أن نشير إلى مفارقةٍ خفية في خطاب من يهلّلون لمؤشرات النجاح التدريبي. فهم يقيسون النجاح بمعدلات إتمام الدورات ودرجات الاختبارات، وهذا مقياسٌ خادع، لأن المتدرب قد يجتاز الاختبار ثم لا يستعمل ما تعلمه يوماً واحداً في عمله الفعلي. فالفجوة بين المعرفة والممارسة هي القبر الذي تُدفَن فيه أغلب استثمارات التدريب. وقد دأب تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد على توثيق التوسع الهائل في تبنّي المؤسسات لهذه التقنيات، مع فجوةٍ مستمرة بين التبنّي المعلَن والاستخدام الفعلي المنتِج. ويرى الكاتب أن ما يُقاس بسهولةٍ يُبالَغ في الاحتفاء به، فدرجة الاختبار رقمٌ مريح يزيّن التقارير، أما تغيّر السلوك في خضم العمل اليومي فعصيٌّ على الرصد، فأُهمل لأنه يُكلِّف عناء التتبع. والقياس الصادق يبدأ حين نكفّ عن قياس ما يسهل عدّه ونتجشم قياس ما يصعب لمسه.
ولا ينبغي أن يُفهَم من هذا تشاؤمٌ يدعو إلى التخلي عن القياس، فذلك خطأ معاكس لا يقل ضرراً، إذ يفتح الباب لإنفاقٍ بلا حساب. فالقياس الرشيد ممكنٌ متى صُمّم بحصافة، وأدواته اليوم أنضج مما كانت. فبوسع المؤسسة أن تربط التدريب بمشروعٍ حقيقي قائم، فتقيس أثره في إنجاز ذلك المشروع لا في درجات اختبارٍ مجرد، وأن تعتمد على مؤشرات سلوكية ملموسة كعدد المهام التي صار الموظف ينجزها بمعونة الأدوات الذكية، أو الوقت الذي يوفّره، أو جودة مخرجاته قبل التدريب وبعده. وقد أوصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أطرها لقياس المهارات الرقمية بربط التقييم بالأداء في سياقٍ واقعي لا بالمعرفة المجردة. ويرى الكاتب أن العبرة ليست في امتلاك المقياس بل في شجاعة مواجهة ما يكشفه، فكثيرٌ من المؤسسات تملك الأدوات وتتحاشى تشغيلها خشية أن تفضح هشاشة برامجها، فتختار جهلاً مريحاً على معرفةٍ مكلفة.
وإذا انتقلنا من التشخيص إلى الركائز العملية، فأولها أن يُبنى القياس قبل التدريب لا بعده، بأن تُرصَد حالة الأداء الأولى رصداً دقيقاً لتكون مرجعاً يُقاس عليه التغير، فمن لا يعرف نقطة انطلاقه لا يدرك مقدار ما قطعه. وثانيها أن يُنقَل القياس من قاعة التدريب إلى ميدان العمل، فلا يُكتفى بما يُحفَظ بل يُرصَد ما يُطبَّق بعد أسابيع وأشهر، إذ المهارة التي لا تصمد في الممارسة وهمٌ لا قيمة له. وثالثها أن تُمزَج المؤشرات الكمية بالنوعية، فيُجمَع الرقم إلى الحكاية، وتُقرَن إحصاءات الإنتاجية بشهادات المستفيدين عن تحوّل طريقة عملهم. ورابعها أن يُقاس الأثر على مستوى المؤسسة لا الفرد وحده، إذ القيمة الكبرى تظهر حين تتحول معرفة الأفراد إلى قدرةٍ جماعية مؤسسية. وخامسها أن يكون القياس مستمراً متجدداً لا حدثاً يُجرى مرة، فتقنيةٌ تتغير بهذه السرعة تستوجب قياساً يلاحق تغيّرها. وهذه الركائز يشدّ بعضها أزر بعض، فلا يُجدي قياسٌ لاحق دون رصدٍ سابق، ولا ينفع رقمٌ مجرد دون حكايةٍ تكسوه معنى. وفوق ذلك كله ركيزةٌ سادسة لا تقل أهمية، وهي أن يُقرَن القياس بحلقة تغذيةٍ راجعة تعيد توجيه البرنامج التدريبي نفسه، فما قيمة أن نكتشف قصور برنامجٍ ثم نمضي في تكراره على حاله؟ إن القياس الذي لا يُترجَم إلى تعديلٍ في التصميم قياسٌ عقيم، يثقل التقارير ولا يصلح الواقع، وكأنه طبيبٌ يشخّص الداء بدقة ثم لا يصف له دواء.
وهذه الركائز ليست أمنياتٍ معلقة في فراغ، فالسياق العربي الراهن يتيح لها أرضاً خصبة. فرؤية المملكة العربية السعودية 2030 جعلت من تنمية رأس المال البشري وتمكين الكوادر الوطنية في التقنيات المتقدمة ركيزةً محورية، وتجلّى ذلك في برامج وطنية طموحة لتأهيل عشرات الآلاف في مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات. ويرى الكاتب أن نجاح هذه البرامج لن يُقاس بعدد المتدربين الذين يعبرون بواباتها، بل بمقدار ما يتركونه من أثرٍ في إنتاجية القطاعات التي يعودون إليها. فالاستثمار في التدريب يصير نزفاً للموارد إن لم يُقرَن بمنظومة قياسٍ تتعقب عائده المعرفي وتصوّب مساره أولاً بأول. وما أحوج الفضاء العربي إلى أن ينتقل من ثقافة الاحتفاء بأعداد المتدربين إلى ثقافة محاسبة الأثر، فالأمة التي تقيس عائد معرفتها تراكمها، والتي تكتفي بعدّ أنشطتها تبددها وهي تحسب نفسها تنمو.
والخلاصة التي يفتح بها الكاتب أفقاً لا يغلقه أن العائد المعرفي الحقيقي لا يُشترى بالمال وحده، بل يُصنَع بإرادةٍ تجرؤ على قياس أثرها ومواجهة ما تكشفه. فالتدريب الذي لا يُقاس عائده قمارٌ مكلف نراهن فيه على حسن الظن، والقياس الذي لا يبحث عن الأثر العميق لعبة أرقامٍ تخدع صاحبها. والرهان الأكبر أن نحوّل الإنفاق على تعليم الذكاء الاصطناعي من بندٍ في الميزانية يُبرَّر بعدد الحاضرين إلى استثمارٍ في قدرةٍ مؤسسية تتجدد وتثمر. فالمؤسسات التي تتقن قياس عائدها المعرفي تتعلم من تعثرها فتصوّب مسارها، والتي تتحاشى القياس تكرر أخطاءها بثقةٍ متزايدة، تنفق أكثر فتجني أقل وهي تظن أنها في طليعة الركب. ويبقى أن أنفس ما يجنيه المرء من تعليم الآلة ليس إتقان أداةٍ بعينها، بل أن يصير عقلاً يحسن السؤال ويجيد التكيف، وذلك وحده هو العائد الذي لا يتقادم، والاستثمار الذي لا يخسر صاحبه فيه أبداً.