ما الذي يدفعُ رجلاً موسِراً إلى أن يتبرّعَ بألفِ ريالٍ لإنقاذِ طفلٍ بعينِه تُعرَضُ صورتُه أمامَه، بينما يتردّدُ في التبرّعِ بمئةِ ريالٍ لإنقاذِ عشرةِ آلافِ طفلٍ تُختصَرُ معاناتُهم في رقمٍ جافٍّ على شاشة؟
هذه المفارقةُ التي تبدو منافيةً لكلِّ منطقٍ حسابيٍّ ليست شذوذاً عابراً في سلوكِ فردٍ، بل هي قانونٌ راسخٌ في نفسيّةِ العطاءِ الإنسانيِّ يعرفُه الباحثون باسمِ "تأثيرِ الضحيّةِ المُعرَّفة"، وقد وثّقَه عالمُ النفسِ بول سلوفيك في أبحاثٍ متعاقبةٍ أظهرت أنّ التعاطفَ الإنسانيَّ يتقلّصُ كلّما اتّسعَ نطاقُ المأساة، حتى ليكادُ يخبو حين تتحوّلُ الأرواحُ إلى إحصائيّات، وكأنّ القلبَ البشريَّ مهيّأٌ للانفعالِ بوجهٍ واحدٍ يراه، عاجزٌ عن استيعابِ الكثرةِ حين تذوبُ الوجوهُ في أعدادٍ بلا ملامح. والمؤسّساتُ المانحةُ التي لا تزالُ تخاطبُ داعميها بلغةِ الأرقامِ الكبرى والتقاريرِ الرماديّةِ إنّما تجهلُ، عن غيرِ قصدٍ غالباً، أنّها تكلّمُ كائناً عاطفياً معقّداً بلغةٍ لا يفهمُها قلبُه قبلَ عقلِه. والأنكى أنّها تظنُّ أنّها تخاطبُ العقلَ بينما العقلُ ذاتُه يأتمرُ بأمرِ العاطفةِ من حيثُ لا يدري، فتُهدَرُ ملايينُ الفرصِ لبناءِ علاقةٍ كان يمكنُ أن تُثمِرَ خيراً ممتدّاً لو أُحسِنَ الإصغاءُ لنبضِ المانحِ الحقيقيّ.
لنعُدْ إلى الجذرِ المعرفيِّ لنفهمَ المشهد. لطالما عاملَ القطاعُ الخيريُّ المانحَ بوصفِه فاعلاً عقلانياً يوازنُ بين الكلفةِ والعائدِ الأخلاقيِّ ثم يقرّرُ، غيرَ أنّ ثورةَ الاقتصادِ السلوكيِّ التي قادها دانيال كانمان وأموس تفيرسكي قلبت هذا الافتراضَ رأساً على عقب. فقد بيّنا أنّ قراراتِنا محكومةٌ بانحيازاتٍ منهجيّةٍ وأنماطٍ حدسيّةٍ تسبقُ التفكيرَ المتأنّي، وأنّ الإنسانَ يقرّرُ بعاطفتِه ثم يبرّرُ بعقلِه. وما تفعلُه التحليلاتُ السلوكيّةُ اليومَ ليس سوى إخضاعِ هذه الحقيقةِ النفسيّةِ لمجهرِ البيانات؛ إذ صار بوسعِ المؤسّساتِ أن ترصدَ متى يفتحُ الداعمُ رسالتَها، وأيُّ قصّةٍ تستوقفُه، وأيُّ مبلغٍ مقترَحٍ يدفعُه إلى التردّدِ أو الإقدام، وأيُّ قناةٍ يفضّلُ أن يُخاطَبَ عبرَها، وفي أيِّ ساعةٍ من نهارِه يكونُ أكثرَ ميلاً للبذل. وقد أشارت دراساتٌ في كليّةِ هارفارد للأعمالِ إلى أنّ الإنفاقَ على الآخرين، لا على الذات، يولّدُ سعادةً قابلةً للقياس، وهو ما يجعلُ العطاءَ حاجةً وجدانيّةً لا عبئاً يُحتمَل. هنا تتبدّى الفرصةُ والمأزقُ معاً: الفرصةُ في أن نفهمَ المانحَ كإنسانٍ كاملٍ لا كمحفظةٍ تُستنزَف، والمأزقُ في أن تتحوّلَ هذه المعرفةُ العميقةُ إلى أداةِ تلاعبٍ ناعمةٍ تستثمرُ هشاشتَه العاطفيّةَ بدلَ أن تحترمَ كرامتَه.
غير أنّ السائدَ في أدبيّاتِ التسويقِ الخيريِّ يختزلُ "فهمَ المانح" في تقسيمِه إلى شرائحَ ديموغرافيّةٍ بحسبِ العمرِ والدخلِ والموقع، ثم مطاردتِه برسائلَ آليّةٍ تستجدي تبرّعاً متكرّراً. وهذا في رأيي قصورٌ جوهريٌّ يخلطُ بين البياناتِ والحكمة. فالمانحُ لا يُعرَّفُ بفئتِه العمريّةِ بقدرِ ما يُعرَّفُ بالقصّةِ التي يرويها لنفسِه عن سببِ عطائِه: أهو بحثٌ عن معنى، أم رغبةٌ في الانتماء، أم وفاءٌ لذكرى، أم استجابةٌ لواجبٍ دينيٍّ عميقِ الجذور؟ يرى الكاتبُ أنّ التحليلاتِ السلوكيّةَ لن تبلغَ غايتَها ما لم تنتقلْ من سؤالِ "مَن يتبرّع؟" إلى سؤالِ "لماذا يتبرّع؟"، ومن قياسِ المعاملاتِ إلى فهمِ الدوافع. إنّ المؤسّسةَ التي تعرفُ أنّ داعمَها يتبرّعُ سعياً وراءَ أثرٍ ملموسٍ ستخاطبُه بقصصِ التغييرِ المحدّدةِ لا بأرقامِ الميزانيّات، والتي تعرفُ أنّ داعمَها مدفوعٌ بالانتماءِ ستفتحُ له بابَ المجتمعِ لا صندوقَ التبرّعاتِ فحسب. وهنا يكمنُ الفرقُ بين مؤسّسةٍ تجمعُ المالَ ومؤسّسةٍ تبني علاقة، وبين من يرى في الداعمِ موسماً يُحصَدُ ومن يرى فيه رفيقَ دربٍ يُصاحَب. فالأولى تحصدُ تبرّعاً اليومَ وتفقدُ صاحبَه غداً، والثانيةُ تكسبُ قلباً يبقى معها سنين، يعطي ويدعو غيرَه إلى العطاء، ويصيرُ امتداداً لرسالتِها في محيطِه كلِّه.
وثمّةَ بُعدٌ أعمقُ كثيراً ما تتجاهلُه الحماسةُ للبيانات، وهو أنّ الثقةَ، لا الإقناع، هي العملةُ الحقيقيّةُ في هذا القطاع. فالمانحُ يسلّمُ مالَه لجهةٍ لا يرى بعينِه أينَ يذهب، وهذا فعلُ ثقةٍ هشٌّ بطبيعتِه، سريعُ الانكسارِ عسيرُ الترميم. وقد بيّنت أبحاثٌ في معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا حول اقتصادِ الثقةِ أنّ الشفافيّةَ ليست فضيلةً أخلاقيّةً مجرّدةً فحسب، بل هي أصلٌ اقتصاديٌّ يخفّضُ كلفةَ المعاملاتِ ويطيلُ أمدَ العلاقات. والمفارقةُ التي يغفلُ عنها كثيرون أنّ التحليلاتِ السلوكيّةَ سلاحٌ ذو حدّين هنا تماماً: فهي قادرةٌ على تعزيزِ الشفافيّةِ حين تُستخدَمُ لتُظهِرَ للمانحِ أثرَ تبرّعِه بدقّةٍ ووضوح، وقادرةٌ على نسفِها حين تتحوّلُ إلى هندسةٍ خفيّةٍ تتلاعبُ بمشاعرِه دونَ علمِه. يرى الكاتبُ أنّ الخطَّ الفاصلَ بين الإقناعِ المشروعِ والتلاعبِ المرفوضِ يكمنُ في سؤالٍ واحد: هل تخدمُ البياناتُ مصلحةَ المانحِ في أن يعطيَ عطاءً واعياً رشيداً، أم تخدمُ مصلحةَ المؤسّسةِ في أن تنتزعَ منه أكبرَ مبلغٍ بأقلِّ مقاومة؟ فإذا صارت الخوارزميّةُ تستهدفُ المتبرّعَ في لحظاتِ ضعفِه العاطفيِّ، أو تستغلُّ شعورَه بالذنبِ بإلحاحٍ محسوب، فإنّها تكون قد خانت الأمانةَ التي يقومُ عليها القطاعُ كلُّه. والثقةُ التي تُبنى على تلاعبٍ خفيٍّ هي ثقةٌ مستعارةٌ ستنهارُ في أوّلِ اختبار، وما يُبنى على رملِ الخداعِ لا يصمدُ لأوّلِ ريحٍ من ريحِ الشكِّ والمراجعة.
على أنّ الإنصافَ يقتضي ألا ننزلقَ إلى تخوينِ الأداةِ ذاتِها. فالبياناتُ، حين تُوجَّهُ بحكمة، تصنعُ ما عجزَ عنه الحدسُ وحدَه. تشيرُ أبحاثٌ في جامعةِ ستانفورد حولَ هندسةِ الخياراتِ إلى أنّ طريقةَ عرضِ خياراتِ التبرّعِ تؤثّرُ تأثيراً بالغاً في قرارِ المانحِ دونَ أن تسلبَه حرّيّتَه؛ فاقتراحُ مبلغٍ افتراضيٍّ معقولٍ، أو إتاحةُ خيارِ التبرّعِ المتكرّرِ الشهريِّ، أو إظهارُ أنّ آخرين تبرّعوا بمبالغَ مماثلة، كلُّها "لمساتٌ توجيهيّةٌ" ترفعُ العطاءَ مع إبقاءِ القرارِ بيدِ صاحبِه. والفرقُ بين هذه اللمسةِ المشروعةِ والخداعِ أنّ الأولى تساعدُ المانحَ على فعلِ ما يريدُ فعلَه أصلاً، بينما يدفعُه الثاني إلى ما لم يكن ليفعلَه لو امتلكَ وعياً كاملاً. وهنا تحديداً ينبغي للمؤسّساتِ أن تتبنّى ما يمكنُ تسميتَه "الشفافيّةَ الخوارزميّة"، أي أن تُعلِنَ بوضوحٍ كيف تستخدمُ بياناتِ داعميها وما تستنتجُه منها، فتجعلَ المانحَ شريكاً واعياً في العلاقةِ لا هدفاً مُستهدَفاً في الظلام. وقد نبّهت تقاريرُ المنتدى الاقتصاديِّ العالميِّ المتعاقبةُ إلى أنّ حوكمةَ البياناتِ وأخلاقيّاتِها ستغدو من أهمِّ معاييرِ المصداقيّةِ المؤسّسيّةِ في العقدِ المقبل، وأنّ المنظّماتِ التي تتعاملُ مع بياناتِ جمهورِها بأمانةٍ ستحظى بميزةٍ تنافسيّةٍ يصعبُ تقليدُها. فالأمانةُ في زمنِ البياناتِ لم تعد ترفاً أخلاقياً يُتفضَّلُ به، بل صارت شرطَ بقاءٍ لا يثبتُ في السوقِ من يفرّطُ فيه.
وإذا انتقلنا من التشخيصِ إلى البناء، فإنّ ثمّةَ ركائزَ عمليّةً تُرسي علاقةً صحّيّةً بين المؤسّسةِ وداعميها. أولاها بناءُ "ذاكرةٍ مؤسّسيّةٍ" لكلِّ مانحٍ تتجاوزُ سجلَّ تبرّعاتِه إلى فهمِ رحلتِه ودوافعِه وتفضيلاتِه، بحيثُ يشعرُ أنّه معروفٌ ومقدَّرٌ كفردٍ لا كرقمٍ في قاعدةِ بيانات. وثانيتُها تصميمُ "حلقةِ الأثرِ المغلقة"، أي إغلاقُ الدائرةِ بإخبارِ المانحِ بدقّةٍ بما فعلَه تبرّعُه، فلا شيءَ يبني الثقةَ كأن يرى الإنسانُ ثمرةَ عطائِه ماثلةً أمامَه، شجرةً غُرِست أو بئراً حُفِرت أو يتيماً كُفِل، فينتقلُ من تبرّعٍ مجهولِ المصيرِ إلى أثرٍ يحملُ بصمتَه ويشهدُ بصدقِ وعدِ المؤسّسةِ له. وثالثتُها اعتمادُ "التجزئةِ السلوكيّةِ" بدلَ الديموغرافيّةِ وحدَها، فنخاطبُ كلَّ مانحٍ بما يحرّكُه هو لا بما نظنُّه يحرّكُ فئتَه. ورابعتُها ترسيخُ "ميثاقٍ أخلاقيٍّ للبيانات" يحدّدُ بوضوحٍ ما يُسمَحُ به وما يُحظَر، ويصونُ خصوصيّةَ الداعمِ ويحفظُ كرامتَه. ويرى الكاتبُ أنّ أنجعَ هذه الركائزِ على الإطلاقِ هو ما يمكنُ تسميتَه "التبادليّةَ الشفّافة": أن تمنحَ المؤسّسةُ داعمَها قيمةً حقيقيّةً مقابلَ ثقتِه، من معرفةٍ ومعنىً وانتماء، فلا تكون العلاقةُ استخراجاً أحاديَّ الاتّجاهِ بل شراكةً يربحُ فيها الطرفان. فالداعمُ الذي يشعرُ أنّ المؤسّسةَ تستثمرُ في علاقتِه بها بقدرِ ما يستثمرُ هو في رسالتِها يتحوّلُ من متبرّعٍ عابرٍ إلى سفيرٍ دائمٍ يحملُ القضيّةَ في قلبِه، ويغدو امتلاكُ ثقتِه أثمنَ بكثيرٍ من امتلاكِ تبرّعِه العابر.
ولهذا النقاشِ في سياقِنا العربيِّ والإسلاميِّ خصوصيّةٌ تستحقُّ التنبّه. فالعطاءُ في ثقافتِنا ليس فعلاً اقتصاديّاً مجرّداً، بل عبادةٌ ووفاءٌ وصلةُ رحمٍ تمتدُّ إلى المجتمعِ بأسرِه، وقيمُ الزكاةِ والصدقةِ والوقفِ تشكّلُ بنيةً نفسيّةً للعطاءِ أعمقَ بكثيرٍ من نظيرتِها في المجتمعاتِ التي يُحرّكُها الإعفاءُ الضريبيُّ وحدَه. وهذا يعني أنّ التحليلاتِ السلوكيّةَ المستوردةَ بحذافيرِها قد تخفقُ ما لم تُعايَرْ بميزانِ قيمِنا، فما يحرّكُ المانحَ العربيَّ قد يكونُ إخلاصَ النيّةِ وسرِّيّةَ الصدقةِ لا الظهورَ على لوحاتِ المتبرّعين، وقد يكونُ طلبَ الأجرِ الأخرويِّ لا الاعترافَ الدنيويّ. وتبدو رؤيةُ المملكةِ العربيّةِ السعوديّةِ لعامِ ألفينِ وثلاثين، بما تحملُه من طموحٍ لتنميةِ القطاعِ غيرِ الربحيِّ ورفعِ مساهمتِه في الناتجِ المحلّيِّ وتعزيزِ الحوكمةِ والشفافيّةِ في العملِ الخيريِّ، إطاراً مثاليّاً لتبنّي هذه التحليلاتِ بمسؤوليّة. فالمؤسّساتُ المانحةُ مدعوّةٌ اليومَ إلى احترافِ فهمِ داعميها لا لتستنزفَهم، بل لتبنيَ معهم ثقةً مستدامةً تصمدُ في زمنِ تكاثرِ الجهاتِ وتنافسِها على كلِّ ريال. وتُشيرُ توجّهاتٌ في منظّمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ إلى أنّ مستقبلَ العملِ الخيريِّ مرهونٌ بقدرتِه على الجمعِ بين الكفاءةِ المدفوعةِ بالبياناتِ والأمانةِ الحارسةِ لها.
ولعلّ السؤالَ الذي ينبغي أن يؤرّقَ كلَّ مؤسّسةٍ مانحةٍ وهي تمضي قُدُماً ليس "كيف نجمعُ تبرّعاتٍ أكثر؟"، بل "كيف نصيرُ جديرين بثقةٍ أعمق؟". فالبياناتُ ليست غايةً في ذاتِها، وإنّما مرآةٌ تعكسُ نفسيّةَ الداعمِ، إمّا لنفهمَه فنخدمَه بصدق، وإمّا لنستغلَّه فنخونَ أمانتَه، ولا منزلةَ وسطى بين الأمرين لمن يدّعي خدمةَ الناسِ ويحملُ همومَهم. والرهانُ الحقيقيُّ أن نُنشئَ قطاعاً ثالثاً يرى في كلِّ مانحٍ إنساناً يبحثُ عن معنى لا محفظةً تُستهدَف، ويقرأُ البياناتِ بوصفِها وسيلةً لتعميقِ العلاقةِ لا لإحكامِ القبضةِ عليها. عندئذٍ فقط تنتقلُ المؤسّسةُ من موقعِ المتسوّلِ الذي يلاحقُ التبرّعَ التالي، إلى موقعِ الشريكِ الذي يصونُ علاقةً ممتدّةً تتجاوزُ العطاءَ الواحدَ إلى التزامٍ يدومُ. ولن يتحقّقَ ذلك بمزيدٍ من الخوارزمياتِ وحدَها، فالخوارزميّةُ لا تعرفُ الضمير، بل بأن تنضجَ المؤسّساتُ حتى تجعلَ من فهمِها العميقِ لداعميها جسراً للكرامةِ المتبادلةِ لا أداةً للاستحواذ، فتستحقَّ بذلك ثقةً لا تُشترى ولا تُنتزَع، وإنّما تُكتسَبُ يوماً بعدَ يومٍ بالأمانةِ والوفاء.