شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

علم النفس الخوارزمي

ماذا لو أنّ الجهازَ الذي تحملُه في جيبِك يعرفُ عن نوباتِ غضبِك وساعاتِ ضعفِك أكثرَ مما يعرفُه أقربُ الناسِ إليك، بل أكثرَ مما تعرفُه أنت عن نفسِك؟ نظنُّ أنّنا نمسكُ الهاتفَ ونتصفّحُ المنصّاتِ بمحضِ إرادتِنا، فيما الحقيقةُ الأشدُّ إزعاجاً أنّ كلَّ تمريرةِ إصبعٍ، وكلَّ توقّفٍ أمامَ منشورٍ، وكلَّ ثانيةِ تردّدٍ قبلَ النقر، تُقرَأُ وتُحلَّلُ وتُعادُ إلينا في صورةِ محتوى مُصمَّمٍ خصّيصاً لاستثارةِ ما هو أعمقُ من وعيِنا. لم تعد الآلةُ أداةً نستعملُها فحسب، بل صارت طرفاً يفاوضُ نفسيّتَنا، يدرسُ نقاطَ هشاشتِنا ويستثمرُها بدقّةٍ متزايدة. وهنا يولدُ حقلٌ جديدٌ لم يُسمَّ بعدُ في معاجمِنا كما ينبغي: علمُ النفسِ الخوارزميّ، أي دراسةُ ما تفعلُه الخوارزمياتُ بعقولِنا، لا ما نفعلُه نحن بها. وما يجعلُ هذا الحقلَ مقلقاً أنّه يعكسُ علاقةً غيرَ متكافئة؛ فالطرفُ الآخرُ لا ينامُ، ولا ينسى، ولا يتعبُ، ويتعلّمُ من كلِّ تفاعلٍ منّا ليصيرَ في المرّةِ القادمةِ أكثرَ إقناعاً وأمضى أثراً.

لنعُدْ إلى الجذرِ المعرفيِّ لنفهمَ المشهد. حين صاغَ عالمُ النفسِ السلوكيُّ بورهوس سكينر في جامعةِ هارفارد مفهومَ "التعزيزِ المتقطّع"، كان يدرسُ حماماً ينقرُ رافعةً ليحصلَ على طعامٍ بفواصلَ غيرِ منتظمة، فاكتشفَ أنّ المكافأةَ غيرَ المتوقَّعةِ تولّدُ سلوكاً إدمانياً أقوى بكثيرٍ من المكافأةِ المنتظمة. هذا المبدأُ ذاتُه، الذي وُلِدَ في مختبرٍ للحماماتِ منتصفَ القرنِ الماضي، هو القلبُ النابضُ لتصميمِ منصّاتِ التواصلِ اليوم؛ فالإشعارُ الذي قد يحملُ إعجاباً وقد لا يحمل، والخلاصةُ التي قد تُظهِرُ ما يسرُّكَ وقد لا تُظهِر، تعملان بمنطقِ آلةِ القمارِ نفسِه. وقد وصفَ المهندسُ تريستان هاريس، الذي عملَ سابقاً في شركةِ غوغل ثم تحوّلَ إلى أبرزِ نقّادِ "اقتصادِ الانتباه"، هذه الهندسةَ بأنّها استغلالٌ منهجيٌّ لنقاطِ ضعفِ الدماغِ البشريّ، أكثرَ منها استجابةً محايدةً لرغباتِنا. الآلةُ هنا ليست مرآةً تعكسُ ما نريد، بل صيّادٌ يتعلّمُ كيف يصنعُ الرغبةَ ذاتَها. وما يفاقمُ الأمرَ أنّ هذه التقنياتِ لا تُختبَرُ علينا فرادى، بل على ملايينَ في آنٍ واحد، فتُنقّحُ نفسَها بتجاربَ متواصلةٍ لا نشعرُ بأنّنا حقولُها التجريبية. وقد أظهرت دراساتٌ في علومِ الأعصابِ السلوكيةِ أنّ هذا النمطَ من المكافأةِ المتغيّرةِ يُفرِزُ الدوبامين، الناقلَ العصبيَّ المرتبطَ بالترقّبِ لا بالرضا، فنبقى نلاحقُ لذّةً موعودةً قلّما تكتمل، وكأنّنا أسرى حلقةٍ لا تُغلَق. وهكذا تتحوّلُ أدواتٌ صُمِّمت ظاهرياً للتواصلِ إلى آلاتٍ لإطالةِ زمنِ التعلّقِ بها، تُقاسُ نجاحاتُها بمقدارِ ما تسرقُه من ساعاتِ أعمارِنا، لا بمقدارِ ما تضيفُه إلى حياتِنا.

غير أنّ السائدَ في خطابِنا العامِّ يكتفي بالشكوى من "إدمانِ الشاشات" ويتوقّفُ عند الأعراض، وهذا في رأيي تسطيحٌ خطير. فالمسألةُ ليست أنّنا نقضي وقتاً أطولَ مما ينبغي، بل أنّ بنيةَ تفكيرِنا ذاتَها تُعادُ تشكيلُها. يرى الكاتبُ أنّ التحوّلَ الأخطرَ ليس في كميةِ ما نستهلكُه، بل في كيفيةِ تشكّلِ أحكامِنا ومعتقداتِنا وذائقتِنا تحتَ وصايةٍ خوارزميةٍ صامتة. حين تتعلّمُ الآلةُ أنّ الغضبَ والاستقطابَ يطيلان زمنَ بقائِنا على المنصّة، فإنّها تنحازُ بنيوياً نحوَ ما يُغضِبُنا ويستفزُّنا، لا لأنّها تكرهُنا، بل لأنّ هندستَها تكافئُ التفاعلَ بصرفِ النظرِ عن أثرِه في نفوسِنا. وقد أشارت أبحاثٌ في معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا، في دراسةٍ واسعةٍ لانتشارِ الأخبارِ على منصّةٍ كبرى، إلى أنّ الأخبارَ الزائفةَ تنتشرُ أسرعَ وأوسعَ وأعمقَ من الصادقة، لأنّها تثيرُ مشاعرَ الدهشةِ والنفور، وهي المشاعرُ ذاتُها التي تطمعُ فيها الخوارزمية. النتيجةُ بيئةٌ معرفيةٌ لا تُكافِئُ الصدقَ ولا الرزانة، بل تُكافِئُ القدرةَ على إثارةِ الانفعال. وحين يصيرُ الانفعالُ عملةَ الرواجِ، يتراجعُ التأنّي، ويُصبحُ الرأيُ المتوازنُ غريباً في فضاءٍ لا يصفّقُ إلا للحدّةِ والقطعِ واليقينِ الزائف.

وثمّةَ بُعدٌ أعمقُ يتجاوزُ المنصّاتِ الاجتماعيةَ إلى ما يسمّيه الباحثون "التفويضَ المعرفيّ". فحين نسلّمُ للخوارزمياتِ مهمّةَ اختيارِ ما نقرأُ ونشاهدُ ونشتري، بل ومَن نواعدُ وأيَّ طريقٍ نسلك، فإنّنا نضمرُ تدريجياً عضلاتٍ ذهنيةً كانت تُمرَّنُ بالاختيارِ والمقارنةِ والتذكّر. وقد لاحظَ باحثون في هذا الميدانِ ما أُطلِقَ عليه "أثرُ غوغل"، أي ميلُنا إلى نسيانِ المعلوماتِ التي نعلمُ أنّ بوسعِنا استرجاعَها بسهولةٍ من الشبكة، وكأنّ الذاكرةَ الخارجيةَ تُعفي الذاكرةَ الداخليةَ من واجبِها. هنا يرى الكاتبُ أنّ الخطرَ الوجوديَّ ليس أن تحلَّ الآلةُ محلَّ الإنسانِ في العمل، بل أن تحلَّ محلَّه في التفكير؛ أن نصبحَ كائناتٍ تستهلكُ القراراتِ الجاهزةَ بدلاً من أن تصنعَها، فتفقدُ شيئاً فشيئاً ملَكةَ الحُكمِ المستقلّ التي هي جوهرُ الكرامةِ الإنسانية. ومع صعودِ نماذجِ اللغةِ الكبيرةِ التي تكتبُ نيابةً عنّا وتُلخّصُ وتُحلّلُ، يتّسعُ نطاقُ هذا التفويضِ ليبلغَ صميمَ ما كنّا نعدُّه حكراً على البشر: الصياغةَ والتأليفَ وبناءَ الحجّة. والسؤالُ المؤجّلُ: ماذا يبقى للعقلِ يفعلُه إن أسندنا إلى الآلةِ حتى مهمّةَ أن يفكّرَ بدلاً عنّا؟ يرى الكاتبُ أنّ الجوابَ ليس في رفضِ هذه الأدواتِ المذهلة، بل في إعادةِ تعريفِ دورِنا أمامها؛ فلنجعلْها تنجزُ ما هو روتينيٌّ متكرّرٌ لنتفرّغَ نحن لما هو إبداعيٌّ وأخلاقيٌّ ووجدانيّ، ولنحرصْ أشدَّ الحرصِ على ألا تضمرَ عضلةُ الفكرِ النقديِّ بفعلِ الاتّكالِ المتمادي، إذ إنّ المهاراتِ التي لا تُمارَسُ تذوي، والعقلُ الذي يكفُّ عن الكدحِ يفقدُ مرونتَه ببطءٍ لا نلحظُه إلا بعدَ فواتِ الأوان.

شاطئ الجبيل على أنّ الإنصافَ يقتضي مقاومةَ الانزلاقِ إلى تشاؤمٍ شامل. فالتقنيةُ ذاتُها التي تستنزفُ انتباهَنا قادرةٌ على إسنادِ صحّتِنا النفسية إذا أُحسِنَ توجيهُها. تشيرُ مراجعاتٌ بحثيةٌ في جامعةِ ستانفورد وغيرِها إلى أنّ تطبيقاتِ الدعمِ النفسيِّ القائمةَ على المحادثةِ الذكية قد تخفّفُ من حدّةِ القلقِ الخفيفِ وتوفّرُ متنفّساً لمن لا يجدون من يصغي إليهم في لحظةِ ضيق. لكنّ المفارقةَ المؤلمةَ أنّ هذه العلاقةَ الجديدةَ مع آلةٍ تُظهِرُ تعاطفاً مصطنعاً تحملُ في طيّاتِها خطرَ استبدالِ الدفءِ الإنسانيِّ الحقيقيِّ بمحاكاةٍ باردةٍ له. وقد حذّرت الباحثةُ شيري تيركل من معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا، في تأمّلاتِها حولَ علاقتِنا بالآلاتِ التي تتظاهرُ بالاهتمام، من أنّنا قد نعتادُ على رفقةٍ تطالبُنا بأقلَّ مما يطالبُنا به البشر، فنفقدُ مع الوقتِ احتمالَ تعقيدِ العلاقاتِ الحقيقيةِ وثراءَها. ليست المشكلةُ أنّ الآلةَ تعزّينا، بل أنّها قد تُعوّدُنا على عزاءٍ لا يطلبُ منّا أن ننضج. وقد نبّهت تقاريرُ المنتدى الاقتصاديِّ العالميِّ المتعاقبةُ إلى أنّ الصحّةَ النفسيةَ في زمنِ الرقمنةِ ستغدو إحدى أكبرِ التحدّياتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ في العقدِ المقبل، لما لها من أثرٍ مباشرٍ في الإنتاجيةِ وجودةِ الحياة.

شاطئ الجبيل وإذا انتقلنا من التشخيصِ إلى البناء، فإنّ ثمّةَ ركائزَ عمليةً تُعيدُ التوازنَ إلى المعادلة. أولاها استعادةُ "السيادةِ على الانتباه" عبرَ تصميمِ بيئتِنا الرقميةِ بوعي: تعطيلُ الإشعاراتِ غيرِ الضروريةِ ليس رفاهيةً بل دفاعٌ عن النفس، وتحديدُ نوافذَ زمنيةٍ للتواصلِ بدلاً من إبقاءِ القنواتِ مفتوحةً على الدوامِ يعيدُ إلينا زمامَ المبادرة. وثانيتها ما يمكنُ تسميتَه "النظافةَ المعرفية"، أي اعتيادُ التوقّفِ قبلَ التفاعلِ مع أيِّ محتوى يثيرُ غضباً عارماً، والتساؤلُ عمّن يستفيدُ من هذا الانفعال ولماذا قُدِّمَ لي الآنَ بالذات. وثالثتها الإبقاءُ على مساحاتٍ يومية للتفكيرِ بلا وساطةٍ خوارزمية، كالقراءةِ المتأنّيةِ والكتابةِ بخطِّ اليدِ والمشيِ دونَ سمّاعات، حتى تستعيدَ العضلاتُ الذهنيةُ لياقتَها. ورابعتها تنويعُ مصادرِ المعرفةِ عمداً، وكسرُ "فقاعةِ الترشيح" التي تحبسُنا في غرفةِ صدى تردّدُ علينا ما نظنُّه ونصدّقُه فحسب. ويرى الكاتبُ أنّ الفضيلةَ المنشودةَ في هذا العصرِ ليست الانقطاعَ الكاملَ عن التقنية، وهو وهمٌ ونكوصٌ غيرُ ممكن، بل ما يصحُّ تسميتَه "الاستهلاكَ الواعيَ للخوارزمية": أن نعرفَ كيف تعملُ علينا حتى لا تعملَ بنا، فالوعيُ بآليّةِ التأثيرِ هو الخطوةُ الأولى في تحييدِها. ولا يكفي أن يكونَ هذا الوعيُ فردياً معزولاً، بل ينبغي أن يصيرَ ثقافةً تربويةً تُغرَسُ في النشءِ مبكّراً، تماماً كما نعلّمُهم قواعدَ المرورِ والسلامة، فمخاطرُ الفضاءِ الرقميِّ على العقلِ لا تقلُّ عن مخاطرِ الطريقِ على الجسد. والأسرةُ والمدرسةُ شريكتان لا غنى عنهما في صوغِ جيلٍ يستعملُ الأداةَ دونَ أن يُستعمَل.

ولهذا النقاشِ في سياقِنا العربيِّ خصوصيةٌ تستحقُّ التنبّه. فنحن من أعلى شعوبِ العالمِ استهلاكاً لمنصّاتِ التواصل ساعاتٍ يومياً، بحسبِ ما تُظهِرُه التقاريرُ الدوليةُ المتتابعة، وهذا يجعلُنا أكثرَ عرضةً لآثارِ هذه الهندسةِ النفسية، وأشدَّ حاجةً في الوقتِ ذاتِه إلى بناءِ مناعةٍ معرفيةٍ جماعية. وتزدادُ الحاجةُ إلحاحاً حين نتذكّرُ أنّ معظمَ هذه المنصّاتِ مصمَّمٌ خارجَ ثقافتِنا، فيحملُ افتراضاتٍ قيميةً ولغويةً قد لا تناسبُ نسيجَنا الاجتماعيّ، ويعيدُ تشكيلَ ذائقتِنا ومرجعياتِنا من حيثُ لا ندري. وتبدو رؤيةُ المملكةِ العربيةِ السعودية لعامِ ألفين وثلاثين، بتركيزِها على جودةِ الحياةِ وتمكينِ الإنسانِ وبناءِ مجتمعٍ حيويٍّ معافى، إطاراً مناسباً لإدراجِ الصحّةِ النفسيةِ الرقميةِ ضمنَ أولوياتِ السياساتِ العامة، لا بوصفِها ترفاً، بل بوصفِها شرطاً لإنتاجيةِ مجتمعٍ يطمحُ إلى الريادة. إنّ المعركةَ القادمةَ ليست على البياناتِ والخوادمِ فحسب، بل على العقولِ والانتباهِ والقدرةِ على التركيزِ العميق، وهي معركةٌ لا تُكسَبُ بالمنعِ وحدَه، بل بالتربيةِ والتثقيفِ وتصميمِ تقنياتٍ أكثرَ احتراماً لكرامةِ مستخدميها. وتُشيرُ توجّهاتٌ في منظّماتٍ دوليةٍ كمنظّمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ إلى أنّ محوَ الأميةِ الرقميةَ لم يعد يعني إتقانَ استعمالِ الأجهزة، بل فهمَ المنطقِ الكامنِ خلفَها والقدرةَ على نقدِه.

ولعلّ السؤالَ الذي ينبغي أن يؤرّقَنا ونحن نمضي قُدُماً ليس "كم ستزدادُ الآلاتُ ذكاءً؟"، بل "كم سنحافظُ نحن على ذكائِنا الإنسانيِّ الخاصِّ في حضرتِها؟". فالخوارزمياتُ ليست قدَراً محتوماً، وإنّما هي مرايا مصمَّمةٌ تعكسُ نواقصَنا وتضخّمُها إن تركناها، أو تساعدُنا على معرفةِ أنفسِنا إن أحسنّا مساءلتَها. والرهانُ الحقيقيُّ أن نُنشئَ جيلاً يقرأُ الخوارزميةَ كما يقرأُ النصّ، يعرفُ من كتبَها ولأيِّ غرض، فلا يبتلعُ ما تقدّمُه له دونَ مضغ. عندئذٍ فقط ينتقلُ الإنسانُ من موقعِ الفريسةِ التي تُدرَسُ نقاطُ ضعفِها، إلى موقعِ الفاعلِ الذي يطوّعُ الأداةَ لغاياتِه، فيستردُّ سيادتَه على عقلِه، وهي السيادةُ التي لا معنى لأيِّ تقدّمٍ من دونها. ولن يكونَ ذلك بانتظارِ أن تتواضعَ الآلةُ، فهي لا تعرفُ التواضع، بل بأن ينضجَ الإنسانُ حتى يصيرَ أعصى على الإغراءِ وأقدرَ على أن يقول، حين يلزمُ الأمر، كلمتَه الأخيرةَ الحرّة: لا.