شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الوقت مع الذكاء الاصطناعي كالسيل: إن لم تقطعه، قطعك

لطالما رددنا على مسامع بعضنا البعض، في فصول الدراسة ومجالس الكبار، مثلاً قديماً اعتقدنا أنه من المسلّمات: "الوقت كالسيف، إنْ لم تقطعه قطعك". مثلٌ جميل، يرسم في الذهن صورة المقاتل الذي يمسك بزمام أموره، ويستخدم الوقت كأداة حادة لتحقيق مآربه. لكن، اسمحوا لي اليوم أنْ أطرح تعديلاً ليس ترفاً لغوياً، بل ضرورة وجودية في عصرنا هذا. المثل الأدق والأكثر تعبيراً عن حقيقتنا المعاصرة هو: "الوقت كالسيل، إن لم تقطعه قطعك"

الفرق بين السيف والسيل هو الفرق بين الأداة والظاهرة، بين ما يمكن التحكم به وما يجب التكيف معه. السيف أداة في يدك، تقرر أنت متى تشهره وكيف تستخدمه. أما السيل، فهو قوة طبيعية هادرة، لا تنتظر قرارك ولا تأبه لرغباتك. هو تيار جارف يغير معالم الأرض التي يقف عليها الجميع، لا يمكنك إيقافه أو محاربته وجهاً لوجه. خيارك الوحيد هو أن تبني سفينتك، أو تتعلم السباحة، أو تجد أرضاً مرتفعة، وإلا فمصيرك الغرق.

وهذا بالضبط هو حالنا اليوم مع الذكاء الاصطناعي. إنه ليس مجرد "أداة" جديدة نضيفها إلى صندوق أدواتنا بجانب الإنترنت والحاسوب. إنه "سيل" معرفي وتقني هادر، بدأ يعيد تشكيل تضاريس عالمنا بالكامل بتقدير الله تعالى : اقتصاده، ثقافته، وظائفه، وحتى فهمنا للوعي والإبداع. من يحاول تجاهله أو الوقوف في وجهه، كمَن يحاول صد طوفان بيديه العاريتين. أما الذكي، الحصيف، فهو من يقرأ اتجاه التيار، ويبني سفينته بسرعة وإتقان، لا لكي ينجو فحسب، بل لكي يجعله هذا السيل يصل إلى وجهات لم يكن يحلم بالوصول إليها من قبل.

عندما نقول "الوقت كالسيف إنْ لم تقطعه قطعك"، فإننا نتحدث عن صراع فردي مع الزمن، حيث يستطيع الإنسان أن يتحكم في إيقاعه ووتيرته. أما السيل فهو قوة طبيعية جماعية لا تنتظر أحدًا، تجرف في طريقها كل من لا يتأقلم مع تدفقها. الذكاء الاصطناعي اليوم هو ذلك السيل الذي يتدفق بقوة لا تقاوم، حاملاً معه أولئك الذين استطاعوا أنْ يركبوا موجته، وتاركاً وراءه من تردد أو تلكأ.

هذا التشبيه يحمل في طياته حكمة عميقة مستمدة من علم النفس الاجتماعي، حيث تشير الدراسات إلى أنَّ التحولات التكنولوجية الكبرى تحدث وفق منحنى "التبني التكنولوجي"، والذي يبدأ بالرواد المبدعين، ثم المتبنين المبكرين، وصولاً إلى الأغلبية المتأخرة والمترددين. الفارق اليوم أنَّ نافذة الانتقال بين هذه المراحل تتقلص بشكل درامي، مما يجعل من لا يتحرك بسرعة يجد نفسه خارج دائرة التأثير.

أشباح الماضي: عندما فات الأوان

التاريخ مليء بالقصص المحزنة لأولئك الذين نظروا إلى السيول القادمة بازدراء، معتقدين أنها مجرد أمواج عابرة. هؤلاء لم يكونوا أغبياء، بل كانوا أسرى لنجاحات الماضي، سجناء لما يعرفونه ويتقنونه.

لنتأمل في قصة شركة "كوداك"، عملاق التصوير الفوتوغرافي. هل تعلم أن مهندسًا في كوداك هو من اخترع أول كاميرا رقمية في عام 1975؟ لكن الإدارة العليا نظرت إلى هذا الاختراع على أنه "لعبة ظريفة" لا تهدد إمبراطوريتهم القائمة على بيع الأفلام ومواد التحميض. كانوا يعتقدون أن السيل الرقمي مجرد قطرات مطر. وعندما استوعبوا حجم الطوفان، كانت شركات مثل "كانون" و"سوني" قد بنت أساطيلها بالفعل، بينما كانت سفينة كوداك الورقية (أو الفيلمية) تغرق ببطء مؤلم. الخطأ لم يكن تقنيًا، بل كان خطأً في الخيال، عجزًا عن رؤية أنَّ العالم نفسه يتغير.

وكذلك قصه شركه نوكيا عندما تلكات في التحول الى الهواتف الرقميه

هذه ليست مجرد قصص تجارية، بل هي مآسٍ إنسانية واجتماعية. تخيلوا عدد النساخين والخطاطين الذين أمضوا حياتهم في إتقان فن نسخ المخطوطات، ثم استيقظوا ذات صباح ليجدوا أن آلة طباعة غوتنبرغ تطبع في يوم واحد ما كانوا ينسخونه في عام. من تكيَّفَ منهم وتعَلَّم فنَّ الطباعة أو النشر نجا وازدهر. ومن تشبث بريشته وقلمه كرمز لهويته، جرفه السيل وأصبح مجرد حاشية في كتب التاريخ.

المشكلة، كما يكشف لنا علم النفس الاجتماعي، تكمن في "التحيز للتأكيد" و"الخوف من المجهول". نحن نميل إلى تصديق المعلومات التي تؤكد معتقداتنا الحالية، ونخشى التغيير الذي يهدد استقرارنا وهويتنا المهنية. قائد "كوداك" لم يكن يرى كاميرا رقمية، بل كان يرى تهديداً لآلاف الموظفين في مصانع الأفلام، وتهديداً لنموذج عمل ناجح استمر مئة عام. لقد كان يدافع عن الماضي، بينما كان المستقبل يتشكل كسيل هادر من حوله.

بناء سفينة النجاة: أفكار لمن يعتقد أنَّ السيل قد سبقه

قد يقرأ أحدهم هذا الكلام ويقول: "فات الأوان. السيل قد جرى، وأنا أقف على الشاطئ مبللاً بالكاد أفهم ما حدث". هذا هو صوت اليأس، وهو أكبر حليف للفشل. الحقيقة أنَّ السيل لا يزال في بدايته، والمياه ترتفع، لكن لا يزال هناك متسع من الوقت ليس فقط لبناء قارب، بل لبناء سفينة فاخرة. إليك عشر أفكار إبداعية، ليست مجرد خطوات تقنية، بل هي استراتيجيات ذهنية ونفسية لركوب موجة الذكاء الاصطناعي، حتى لو كنت تشعر بأنك متأخر:

سفينة "المُعلّم المعكوس": ": ابحث عن شاب شغوف بالتقنية في عائلتك أو محيط عملك. اعقد معه اتفاقًا: أنت تقدم له حكمتك وخبرتك في الحياة أو في مجال عملك، وهو يعلمك أداة ذكاء اصطناعي واحدة كل أسبوع. بدلاً من أن تكون التلميذ الخائف، أنت تصبح الشريك في علاقة تبادلية. هو يرى قيمة خبرتك، وأنت تستمد الثقة من قدرتك على التعلم.

سفينة "سيد النطاق الضيق": لا تحاول تعلم كلَّ شيء عن الذكاء الاصطناعي. هذا مستحيل ومحبط. اختر مجالاً ضيقاً جداً تحبه أو تتقنه (مثل: تحليل الوصفات التاريخية، تصميم الحدائق المنزلية الصغيرة، مساعدة المحلات الصغيرة في حيك على التسويق). ثم تعلّم كيف يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أنْ تخدم هذا النطاق فقط. ستصبح الخبير الذي لا ينافس في نقطة التقاء فريدة بين شغفك والتقنية.

سفينة "الذكاء الاصطناعي كمساعد شخصي": غيِّر نظرتك للأداة. لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كبرنامج معقد، بل كمتدرب شخصي تحت أمرك. هل تكره كتابة رسائل البريد الإلكتروني الرسمية؟ اطلب منه أنْ يكتبها. هل تحتاج لأفكار لوجبة العشاء؟ اسأله. هل تريد تلخيص مقال طويل؟ ألقِ به إليه. من خلال استخدامه في المهام الصغيرة والمملة، ستكسر حاجز الرهبة وتبدأ في اكتشاف قدراته الهائلة بشكل عضوي.

سفينة "البداية من المشكلة": بدلاً من أنْ تسأل "ماذا يمكنني أنْ أفعل بالذكاء الاصطناعي؟"، ابدأ بسؤال مختلف: "ما هي أكبر مشكلة أو إزعاج في حياتي أو عملي؟". هل هي تنظيم المواعيد؟ هل هي صعوبة إيجاد معلومات دقيقة بسرعة؟ هل هي الشعور بالوحدة؟ بعد تحديد المشكلة بدقة، ابحث عن أداة ذكاء اصطناعي مصممة خصيصًا لحل هذه المشكلة. دافعك للتعلم هنا لن يكون خارجياً، بل نابعاً من رغبة حقيقية في تحسين حياتك.

سفينة "الربّان الأخلاقي": إذا كانت التقنية لا تستهويك، فلتستهويك الحكمة. كلما زاد استخدام الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى علماء اجتماع، ومفكرين، وقانونيين يضعون الضوابط الأخلاقية والقواعد المنظمة له. تخصص في دراسة "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي" و"تأثيره المجتمعي". كن أنت الصوت الذي يحذر من المخاطر ويضع البوصلة الأخلاقية للسفن الأخرى. هذا دور قيادي لا يقل أهمية عن دور المبرمج.

سفينة "مترجم المجتمع": كن الجسر الذي يعبر عليه الآخرون. أنشئ مجموعة واتساب صغيرة، أو مدونة بسيطة، أو حتى جلسة شاي أسبوعية في حيِّك. مهمتك: أنْ تجرب أداة ذكاء اصطناعي جديدة كلَّ أسبوع، ثم تترجم تجربتك وشرحك لها بلغة بسيطة ومفهومة للجميع. إنَّ تعليم الآخرين هو أسرع طريق للتعلم العميق، وسيمنحك مكانة مرموقة كمرجع في مجتمعك.

سفينة "الإبداع الهجين": لا تفكر في الذكاء الاصطناعي كبديل لك، بل كشريك إبداعي. هل أنت رسَّام؟ استخدم مولدات الصور لإنتاج عشرات الأفكار الأولية في دقائق، ثم اختر واحدة وأكملها بلمستك الفنية الفريدة. هل أنت كاتب؟ استخدم الذكاء الاصطناعي للبحث عن الحقائق التاريخية أو لتوليد حبكات بديلة لقصتك، ثم قم أنت بنسجها بأسلوبك الخاص.

سفينة "مُضاعِف الخير": هنا يكمن جوهر التأثير الحقيقي. فكر في القطاع غير الربحي والعمل الخيري. هذه المنظمات غالباً ما تكون آخر من يصل إليه السيل التقني بسبب قلة الموارد. كن أنت القائد الذي يأخذ هذه القوة ويوجهها لخدمة المجتمع. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أنْ يساعد جمعية خيرية على استهداف المتبرعين بشكل أفضل؟ أو تحسين الخدمات للمستفيدين؟ أو قياس أثر مشاريعها بدقة؟ وهنا تتجلى قيمة مبادرات رائدة مثل برنامج "نبساي الثاني"، الذي صُمم خصيصاً لتمكين قادة القطاع غير الربحي من تسخير قوة الذكاء الاصطناعي. الانضمام أو دعم مثل هذه البرامج ليس مجرد تعلم لمهارة، بل هو بناء سفينة نجاة للمجتمع بأسره..

سفينة "راوي البيانات": سينتج الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات والتحليلات. لكن البيانات الخام صامتة ومملة. المهارة النادرة والثمينة في المستقبل هي القدرة على أخذ هذه البيانات وتحويلها إلى قصة مقنعة، إلى رؤية واضحة، إلى حجة لا يمكن دحضها. تعلم كيف تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتنقية البيانات، ثم استخدم عقلك البشري لبث الروح فيها وسرد قصتها.

الخاتمة: إمَّا أنْ تركب الموجة، أو تدعها تركبك

إنَّ مقولة "الوقت كالسيل" ليست دعوة للخوف والهلع، بل هي دعوة لليقظة والدهاء. إنها تذكير بأننا جزء من نظام بيئي متغير، وأنَّ التكيُّف ليس خياراً بل هو قانون البقاء. الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية عابرة، إنه الحدث الأبرز في جيلنا، وهو السيل الذي سيعيد بإذن الله تعالى تعريف معنى أن تكون إنساناً عاملاً، مبدعاً، ومؤثراً.

الاختيار اليوم ليس بين "استخدام" أو "عدم استخدام" الذكاء الاصطناعي. الاختيار الحقيقي هو بين أنْ تكون من يبني السفن ويقرأ اتجاه الريح، أو من يبقى على الشاطئ متعلقاً بماضيه، بينما ترتفع المياه من حوله وتجرف الرمال من تحت قدميه.

السباق ليس ضد الآخرين، بل ضد نسختنا القديمة، ضد القناعة الخاطئة بأنَّ ما نجح بالأمس سينجح بالضرورة غداً. افتح عينيك، انظر إلى السيل الهادر، واختر شكل سفينتك. ففي هذا العصر الجديد، إما أنْ تقطع السيل بذكائك ورؤيتك، أو يقطعك هو بتياره الجارف الذي لا يرحم المتأخرين.