شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

عالم بلا وظائف تقليدية

ماذا لو أنّ أخوف ما نخشاه من الذكاء الاصطناعي ليس أنه سيسرق وظائفنا، بل أنه سيكشف لنا — بعد أن يُنجز كلّ شيء — أنّ كثيراً مما كنّا نسمّيه «عملاً» لم يكن سوى وسيلةٍ مُتعِبة لملء فراغٍ وجوديٍّ كنّا نخشى مواجهته؟ ماذا لو أنّ المأساة الحقيقية ليست في اليد العاطلة، بل في الروح التي اعتادت أن تستمدّ قيمتها من جدول دوامٍ، فإذا غاب الجدول لم تعرف من تكون؟

ليست المسألة أن نطمئن القارئ بوعدٍ مكرورٍ عن «وظائف جديدة ستحلّ محلّ القديمة»، ولا أن نُرعبه بنبوءةٍ عن بطالةٍ شاملةٍ تبتلع الأرض، بل أن نفصل بحزمٍ بين زوال «الوظيفة» بوصفها بنيةً اقتصاديةً بعينها، وزوال «العمل» بوصفه حاجةً إنسانيةً عميقة. فالاثنان ليسا شيئاً واحداً، وإن خلط بينهما الخطاب الشائع. لقد ربط الاقتصاد الصناعي، طوال قرنين، بين القيمة والإنتاجية المأجورة ربطاً صار يبدو أزلياً، حتى نسينا أنّ هذا الربط نفسه اختراعٌ حديث، لا قانون طبيعةٍ ولا حكم سماء. فالفلّاح في حقله، والصانع في ورشته، والكاتب على مكتبه، كلّهم ورثوا فكرةً مفادها أنّ الإنسان يستحقّ خبزه بقدر ما يبيع من وقته. واليوم، حين يكتب الذكاء الاصطناعي التقرير، ويرسم التصميم، ويراجع العقد، ويشخّص المرض في ثوانٍ، تتصدّع هذه المعادلة من أساسها، ويعود السؤال الذي ظنّناه محسوماً: لماذا نعمل أصلاً، وما الذي يمنح حياة الإنسان قيمتها حين تُنزَع عنه ضرورة الكدّ؟

ولكي نفهم أين نقف، لا بدّ من خلفيةٍ معرفيةٍ دقيقة لا تنساق وراء العناوين المثيرة. حين نتحدّث عن «نهاية العمل» فنحن نخلط عادةً بين الأتمتة الجزئية للمهامّ وبين الإحلال الكامل للوظائف، وهما أمران مختلفان جذرياً. فقد بيّنت الدراسات المتلاحقة في جامعة أكسفورد، منذ العمل المؤسّس الذي قدّمه فراي وأوزبورن، أنّ ما تطاله الأتمتة هو «مهامّ» داخل الوظائف لا الوظائف بكاملها في الغالب، وأنّ غالبية المهن تتكوّن من خليطٍ من مهامّ قابلةٍ للأتمتة وأخرى عصيّةٍ عليها. وقد عزّز هذا التمييزَ ما نشره باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية، حين بيّنوا أنّ التقنية تاريخياً لم تُلغِ العمل بقدر ما أعادت تركيبه، فأزالت مهامّ وخلقت أخرى لم تكن متخيَّلة من قبل. غير أنّ المفارقة التي يغفل عنها المتفائلون أنّ سرعة هذا التحوّل اليوم تفوق قدرة المجتمعات على التكيّف؛ فحين تُخلَق الوظائف الجديدة أبطأ مما تُمحى القديمة، تتّسع الفجوة لا الجسر. ولهذا حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره المتعاقبة عن «مستقبل الوظائف» من أنّ التحوّل الأكبر لن يكون في عدد الوظائف الصافي بقدر ما هو في تبدّل المهارات المطلوبة تبدّلاً جذرياً، بحيث يجد ملايين العاملين أنفسهم يملكون خبرةً صارت بلا سوق. على أنّ ما يميّز الموجة الراهنة عن كلّ ما سبقها أنّ الأتمتة لم تعد حكراً على العمل اليدوي المتكرّر كما كان الحال في الثورات الصناعية الأولى، بل امتدّت إلى صميم العمل المعرفي الذي ظنّ أصحابه أنه حصنهم الحصين: المحاماة والطبّ والصحافة والترجمة والبرمجة ذاتها. وهنا تنقلب البديهة القديمة التي كانت تنصح الشاب بأن «يتعلّم ليرتقي من العمل اليدوي إلى العمل الذهني»، إذ صار العمل الذهني الروتيني هو الأسرع تعرّضاً للإحلال، بينما تصمد بعض المهارات اليدوية الدقيقة التي تتطلّب براعةً حسّيةً وحضوراً جسدياً يعجز عنه الحاسوب. فالخريطة كلها تُعاد رسمها، لا أطرافها فحسب.

غير أنّ الخلفية وحدها لا تكفي؛ فالتحليل العميق يقتضي أن نفكّك ثلاثة أبعادٍ تختلط عادةً في النقاش العام حتى تضيع الحقيقة بينها. البعد الأول اقتصاديٌّ بحت: إذا أنتج الذكاء الاصطناعي الثروة بكفاءةٍ تفوق الإنسان، فمن يجني ثمارها؟ هنا يكمن جوهر الخطر الذي لا يُقال بصراحةٍ كافية. فالتقنية، في ذاتها، لا تُفقِر أحداً؛ بل بنية ملكيتها هي ما يحدّد إن كانت ستحرّر البشر من الكدّ أم ستركّز عوائد إنتاجيتهم في حفنةٍ تملك الخوارزميات ووسائل الحوسبة. وقد نبّهت أبحاثٌ في كلية هارفارد للأعمال إلى أنّ مكاسب الإنتاجية الهائلة قد لا تنعكس رخاءً عامّاً ما لم تُصاحبها مؤسّساتٌ تعيد توزيع الثمار، وإلا تحوّل وفرٌ تقنيٌّ غير مسبوقٍ إلى تفاوتٍ طبقيٍّ غير مسبوق. ولنا في التاريخ القريب عبرة: فالثورة الصناعية رفعت إنتاجية البشرية أضعافاً مضاعفة، لكنّ ثمارها لم تصل إلى عامّة الناس إلا بعد عقودٍ من الصراع المؤسّسي الذي انتزع حقوق العمل وأنظمة الضمان انتزاعاً، لا منحةً تفضّل بها أصحاب رأس المال. ولو تُرك الأمر لمنطق السوق وحده لظلّت الوفرة حبيسة الخزائن. والدرس البليغ أنّ التقنية لا تعدل بنفسها، بل العدل صنيعة سياسةٍ ومؤسّساتٍ تختارها المجتمعات اختياراً واعياً. والبعد الثاني نفسيٌّ ووجودي: حتى لو ضمنّا للناس دخلاً يكفيهم بلا عمل، فهل يكفيهم ذلك ليحيوا حياةً ذات معنى؟ تُشير دراساتٌ متعدّدة في علم النفس الاجتماعي إلى أنّ العمل يمنح الإنسان أكثر من المال: يمنحه بنيةً للوقت، وشبكةً من العلاقات، وإحساساً بالكفاءة، وهويّةً يُعرَف بها. فالعاطل عن العمل في المجتمعات الموسرة لا يشكو الجوع غالباً، بل يشكو اللاجدوى. ولقد لاحظ علماء الاجتماع منذ دراسة قرية ماريينتال النمساوية الشهيرة في ثلاثينيات القرن الماضي أنّ البطالة الجماعية لم تورث الناس فقراً مادياً فحسب، بل خمولاً نفسياً وانكماشاً في الطموح وتآكلاً في الإحساس بالزمن، حتى صار اليوم عندهم بلا ملامح. أما البعد الثالث فأخلاقيٌّ سياسي، وهو الأعمق أثراً: من يقرّر «ما العمل ذو القيمة»؟ فحين تتولّى الآلة المهامّ الإنتاجية، تتعرّى أمامنا حقيقةٌ طالما تجاهلناها: أنّ أعمالاً جليلةً كرعاية الطفل وتمريض المريض ومؤانسة المسنّ ظلّت بلا أجرٍ أو بأجرٍ بخسٍ لأنّ السوق لم يكن يثمّنها، لا لأنها قليلة القيمة. فقد رأينا كيف ظلّ العمل المنزلي والرعائي، وهو عماد بقاء أيّ مجتمع، غائباً عن حسابات الناتج المحلّي وكأنه لا وجود له. ولعلّ أعظم ما قد يفعله هذا التحوّل أن يجبرنا على إعادة تعريف القيمة نفسها بعيداً عن منطق السعر، فنكتشف أنّ أثمن ما يقدّمه الإنسان للإنسان لم يكن قطّ مما يُباع ويُشترى.

شاطئ الجبيل وهنا يرى الكاتب أنّ جوهر القلق المعاصر ليس في غياب العمل، بل في انكشاف هشاشة عقدٍ اجتماعيٍّ ربط كرامة الإنسان بإنتاجيته الاقتصادية ربطاً ظالماً منذ البداية. فالأنظمة لا تحتاج أن تبلغ ذكاءً خارقاً لكي تزعزع هذا العقد؛ يكفي أن تُنجز ما يكفي من المهامّ المأجورة حتى ينهار الافتراض الصامت بأنّ «من لا يُنتِج للسوق لا يستحقّ». ويرى الكاتب كذلك أنّ خطاب الذعر من «نهاية العمل»، على ما فيه من وجاهةٍ ظاهرة، يخدم أحياناً مصالح من يريدون إبقاء البشر في سباق الفأر اللاهث: فطالما ظلّ الناس مرعوبين على لقمة عيشهم، قبلوا أيّ شروطٍ وامتنعوا عن السؤال الأخطر — لماذا، في عالمٍ يفيض إنتاجاً، يُطلَب منّا أن نعمل أكثر لا أقلّ؟ والمفارقة أنّ التقنية التي وُعِدنا بأنها ستحرّرنا من الكدح زادت كثيرين كدحاً وقلقاً، لا لأنّ الآلة أبت أن تنوب عنّا، بل لأنّ بنيتنا الاقتصادية لم تُصمَّم لتوزيع ثمار الفراغ، بل لتحويله إلى بطالةٍ مهينةٍ بدل أن يكون عتقاً كريماً.

شاطئ الجبيل على أنّ القفز إلى يوتوبيا «عالمٍ بلا عمل» سذاجةٌ لا تقلّ عن الذعر منه. فالنقطة الأصيلة التي يدعو إليها الكاتب هي أن نُحوّل بوصلتنا من سؤال «كيف نحافظ على الوظائف؟» إلى سؤالٍ أعمق: «كيف نفكّ الارتباط القسري بين البقاء الكريم والعمل المأجور، دون أن نفقد المعنى الذي يمنحه الإسهام؟». إنّ الإنسان لا يزدهر بالكسل، بل بالإسهام؛ والفرق بين العمل بوصفه قهراً والعمل بوصفه اختياراً هو الفرق بين العبد والحرّ. وقد نبّهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقاريرها إلى أنّ التحوّل القادم يستلزم إعادة تصميم شبكات الأمان الاجتماعي وأنظمة التعلّم مدى الحياة، لا ترقيعها، حتى لا يُترَك من تُزيحه الآلة في العراء. والأخطر من فقدان الوظيفة هو فقدان الشعور بأنّ المرء ذو قيمةٍ ومكان؛ فحين يشعر الإنسان أنه فائضٌ عن الحاجة، يذبل من الداخل قبل أن يجوع. ولهذا فإنّ أيّ سياسةٍ تكتفي بضمان الدخل دون أن تضمن المعنى تكون قد عالجت نصف الداء وتركت نصفه الأعمق ينخر في صمت؛ إذ ليس الإنسان كائناً يُشبَع بالطعام وحده، بل بالإحساس بأنه يضيف إلى العالم شيئاً لولاه لما كان.

ولأنّ النقد دون عملٍ ترفٌ فكري، فإنّ ثمّة ركائز عمليةً يقترحها الكاتب لعبور هذا المنعطف بوعي. الركيزة الأولى أن نُعيد تعريف «القيمة» بحيث تشمل الإسهامات التي يعجز السوق عن تسعيرها — الرعاية، والتربية، والفنّ، والعمل التطوّعي، وصيانة النسيج الاجتماعي — فلا تبقى كرامة الإنسان رهينة ما يدفعه له صاحب عمل. والركيزة الثانية أن نستثمر في التعليم لا بوصفه إعداداً لوظيفةٍ بعينها سرعان ما تزول، بل بوصفه تنميةً لقدرةٍ على التعلّم المستمرّ والتكيّف والحكم النقدي، إذ تُبيّن أبحاث جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية أنّ المهارات الأطول عمراً هي تلك العصيّة على الأتمتة: الإبداع في صياغة المشكلات، والذكاء العاطفي، والحكم الأخلاقي في المواقف الملتبسة. والركيزة الثالثة أن نبني حوكمةً تضمن أن تعود مكاسب الإنتاجية على المجتمع لا على القلّة وحدها، عبر سياساتٍ جادّةٍ في إعادة التوزيع لا شعاراتٍ عابرة، وأن نفتح النقاش بجرأةٍ حول أفكارٍ كانت بالأمس تُعدّ خيالاً، كالدخل الأساسي الشامل وضرائب الأتمتة وملكية المجتمع لجزءٍ من عوائد التقنية، لا لأنها وصفاتٌ جاهزة، بل لأنّ حجم التحوّل القادم لا يُواجَه بأدواتٍ صُمّمت لعالمٍ آخر. والركيزة الرابعة أن نُربّي في الناشئة ثقافةً تستمدّ المعنى من الإسهام والإتقان لا من الاستهلاك والمنصب، حتى إذا تحرّر وقتهم من قهر السوق لم يتحوّل فراغهم إلى عدمٍ بل إلى فضاء إبداعٍ وعلاقةٍ ومعرفة. وهنا يجد السياق العربي فرصته؛ فرؤية المملكة 2030، حين جعلت الإنسان السعودي محور التنمية لا مجرّد ترسٍ في آلة الإنتاج، ووظّفت التقنية أداةً في خدمة جودة الحياة، إنما تقترح نموذجاً يستحقّ التأمّل: أن يُعاد توجيه طاقة الأمة من وظائف الكفاف إلى الإبداع والمعرفة وريادة الأعمال، فتُبنى القيمة من القاعدة لا تُستورَد جاهزة. فالأمة التي تربط مستقبلها بوظائف يبتلعها الذكاء الاصطناعي تبني على رملٍ متحرّك، والأمة التي تستثمر في العقول والقيم والمعنى تبني على صخر.

فإلى أين نمضي؟ يرى الكاتب أنّ السؤال الذي افتُتح به هذا المقال — ما الذي يمنح حياة الإنسان قيمتها حين يُنجز الذكاء الاصطناعي كلّ شيء — ليس سؤالاً عن الآلة بقدر ما هو سؤالٌ عنّا. فالآلة، مهما أنجزت، لا تستطيع أن تعيش معنى الحياة نيابةً عنّا؛ تستطيع أن تكتب القصيدة، لكنها لا تطرب لها، وأن تحسب الإحسان، لكنها لا تشعر بدفئه، وأن تُنتج كلّ شيءٍ إلا الغاية التي من أجلها يُنتَج. ولعلّ أنبل ما يصنعه بنا هذا التحوّل أن يجرّدنا من العذر القديم — «لا وقت لديّ» — فيضعنا وجهاً لوجهٍ أمام السؤال الذي طالما هربنا منه إلى زحام العمل: ما الذي نريد حقّاً أن نفعله بحياتنا حين لا تعود الضرورة تُملي علينا؟ هنا، في هذا الفضاء الذي لا تطاله الخوارزمية، يتوهّج معنى الإنسان لا بوصفه منتجاً للقيمة الاقتصادية، بل بوصفه صانعاً للمعنى ذاته. وما دام السؤال عن الغرض بأيدينا لا بأيديها، فإنّ المستقبل، مهما تكفّلت الآلة بإنجازه، يبقى — في جوهره — مشروعاً إنسانياً لا تستطيع آلةٌ أن تنتزع منّا حقّ تأليفه.