شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

عالم 2035

تخيّل أنّك تستيقظ صباحَ يومٍ من عام 2035 فلا تجد نفسك وحدك في غرفتك؛ ثمّة حضورٌ صامتٌ كان يقظاً طوال الليل، يراقب نومك ويزن أنفاسك ويعرف متى تثقل جفونك ومتى تخفّ، ويعرف عن جسدك أشياء لم تكتشفها أنت بعد، فيقترح عليك ما تأكل قبل أن تجوع، وما تقرأ قبل أن تختار، وحتى من تلتقي قبل أن ترغب؛ فأيّ نوعٍ من «الرفقة» هذه التي تعرفك أكثر مما تعرف نفسك، ومن الذي خوّلها أن تكون كذلك، وبأيّ ثمنٍ خفيٍّ منحناها هذا الامتياز؟

ليست هذه مشهداً من خيالٍ علميٍّ بعيد، بل امتدادٌ منطقيٌّ لما تشير إليه المؤشّرات اليوم. فحين يتنبّأ المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره المتعاقبة عن مستقبل الوظائف بأنّ نسبةً كبيرةً من المهامّ ستعاد هيكلتها بفعل الأتمتة الذكية خلال هذا العقد، وحين ترصد تقارير «مؤشر الذكاء الاصطناعي» الصادرة عن جامعة ستانفورد تسارعاً سنوياً في قدرات النماذج وانتشارها بمعدّلاتٍ تفوق كلّ تقدير، فإنّ السؤال لم يعد هل سيدخل الذكاء الاصطناعي تفاصيل حياتنا اليومية، بل إلى أيّ عمقٍ سيتغلغل، وبأيّ ثمنٍ نؤدّيه نحن دون أن ننتبه. ولعلّ أوّل ما ينبغي تصحيحه أنّ الصورة الشائعة عن «رفيقٍ» آليٍّ لطيفٍ يخفّف عنّا أعباء الحياة هي صورةٌ نصف حقيقية؛ فالرفيق الذي يعرف كلّ شيءٍ عنك ليس خادماً محايداً، بل وسيطٌ تتدفّق عبره بياناتك إلى جهاتٍ لا تراها، ويتشكّل عبره وعيُك بالعالم من حيث لا تدري. والنصف الآخر من الحقيقة، الذي يندر أن يُقال، أنّ هذا الرفيق لا يخدم مستخدمه وحده، بل يخدم من يملكه أولاً؛ فبين الطرفين تقف مصلحةٌ تجاريةٌ صامتة قد لا تتطابق أبداً مع مصلحة من يظنّ نفسه سيّد الجهاز.

ولكي نفهم إلى أين نمضي، لا بدّ من خلفيةٍ معرفية دقيقة تفصل الواقع عن الوعد. إنّ ما نسمّيه «الانتشار الكامل» للذكاء الاصطناعي ليس حدثاً يقع في لحظةٍ واحدة، بل عمليةٌ تراكميةٌ هادئة تشبه ارتفاع منسوب الماء: لا نلحظ الغمر حتى يبلغ الركب. فالمساعد الصوتي الذي يضبط المنبّه اليوم سيغدو في 2035 وكيلاً معرفياً ينوب عنك في حجز المواعيد والتفاوض على الفواتير وصياغة الرسائل، بل في اتخاذ قراراتٍ صغيرةٍ بالنيابة عنك ما دمت قد فوّضتَه ضمناً حين قبلت شروط الخدمة دون قراءتها. وقد نبّهت دراساتٌ متلاحقة في كلية هارفارد للأعمال إلى أنّ القيمة الحقيقية لهذه الأنظمة لا تكمن في أتمتة المهمّة الواحدة، بل في إعادة تصميم سلسلة العمل كاملةً حول الآلة، وهو ما يعني عملياً أنّ نمط حياتك سيُعاد تشكيله ليلائم منطق الخوارزمية، لا أن تُطوَّع الخوارزمية لتلائم نمط حياتك. وهنا تكمن مفارقةٌ جوهرية كثيراً ما تغيب: نحن نظنّ أنّنا نستخدم الأداة، بينما الأداة — في تصميمها العميق — تعيد تشكيل عاداتنا وتفضيلاتنا وحتى رغباتنا. ولنتأمّل كيف بدأ الأمر بسيطاً قبل سنواتٍ قليلة: توصيةٌ بأغنيةٍ هنا، واقتراحٌ بطريقٍ أقصر هناك، حتى صرنا اليوم نستشير الآلة فيما نشتري وفيما نشاهد وفيما نظنّ صحيحاً؛ فإذا امتدّ هذا المنحنى عقداً آخر بلغنا حياةً لا يُتّخذ فيها قرارٌ يُذكَر دون مشورةٍ خوارزمية صامتة.

غير أنّ الخلفية وحدها لا تكفي؛ فالتحليل العميق يقتضي أن نفكّك ثلاثة أبعادٍ تختلط عادةً في الحديث المتفائل عن «اليوم الذكي». البعد الأول معرفيٌّ إدراكي: حين يصبح بمقدورك أن تسأل رفيقك الرقمي عن أيّ شيءٍ فيجيبك فوراً، يضمر فيك تدريجياً الحافز إلى الحفظ والاستنتاج والتأمّل، إذ لماذا تُجهد ذاكرتك بما تختزنه الآلة؟ وقد بدأت أبحاثٌ في علوم الإدراك تتحدّث عمّا يسمّى «التفريغ المعرفي»، أي ميل العقل إلى الاعتماد على الذاكرة الخارجية حتى يضعف اعتماده على الداخلية، فنغدو كمن يملك مكتبةً لا تنفد وقد نسي كيف يقرأ. والبعد الثاني اقتصاديٌّ اجتماعي: فالرفيق الدائم الذي يرافقك مجاناً ليس مجانياً في الحقيقة، إذ تدفع ثمنه انتباهك وبياناتك وقابليتك للتوجيه؛ ولنتأمّل أنّ من يملك النموذج الذي يحاورك يملك أيضاً القدرة على أن يقرّر — بلطفٍ خفيٍّ لا تشعر به — ما تراه أوّلاً وما يُحجَب عنك، وأيّ منتجٍ يُقترَح عليك وأيّ رأيٍ يتكرّر أمامك حتى يصير بديهةً. أما البعد الثالث فسياديٌّ حضاري، وهو الأخطر والأقلّ نقاشاً: ففي 2035 لن يكون السؤال من يملك الهاتف الأذكى، بل من يملك النموذج الذي يفكّر نيابةً عن ملايين البشر، ومن أيّ ثقافةٍ تنبع قيمه، وبأيّ لغةٍ يحلم. والمجتمعات التي تستورد رفيقها الرقمي جاهزاً تستورد معه منظومة قيمٍ كاملة قد لا تشبهها، فيُربّى أبناؤها على مرجعيةٍ صيغت في مكانٍ آخر ولغايةٍ أخرى، حتى يصير الغريب أليفاً والأليف غريباً دون أن يشعر أحد بلحظة التحوّل.

شاطئ الجبيل وهنا يرى الكاتب أنّ جوهر التحوّل في عام 2035 ليس في ذكاء الآلة، بل في إعادة توزيع الثقة البشرية: من سنثق؟ وفي أيّ شيءٍ سنتنازل عن حكمنا الخاصّ؟ فالخطر الحقيقي ليس أن يخطئ الرفيق الرقمي، بل أن يصيب كثيراً حتى نكفّ عن مراجعته، فيتحوّل الاعتماد عليه من راحةٍ مؤقّتة إلى تبعيّةٍ بنيوية. ويرى الكاتب كذلك أنّ السردية المتفائلة التي تصوّر 2035 جنّةً من الرفاهية المؤتمتة تخفي وراءها تحوّلاً صامتاً في موازين السلطة: فحين يصير الوسيط بينك وبين العالم نظاماً واحداً تملكه قلّةٌ من الشركات العملاقة، فإنّ حرّيتك في الاختيار تتقلّص بمقدار ما يتّسع نطاق «التوصية الذكية». والمفارقة أنّ هذا التقلّص يأتي مغلّفاً بلغة التمكين: يُقال لك إنّ النظام «يفهمك» و«يوفّر وقتك» و«يخدمك»، بينما هو في العمق يرسم لك حدود ما يمكن أن تريده أصلاً. ولقد نبّهت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها للذكاء الاصطناعي إلى مركزية إبقاء الإنسان في حلقة القرار وصون قابلية المساءلة، وهو مبدأٌ يبدو بديهياً على الورق، لكنّه يتآكل عملياً كلّما ازداد إغراء التفويض الكامل للآلة، وكلّما أصبح رفض المشورة الذكية يبدو ضرباً من العناد غير المبرّر في نظر المحيطين بك.

شاطئ الجبيل على أنّ التشاؤم المطلق ليس موقفاً نقدياً، بل وجهٌ آخر من السذاجة. فالنقطة الأصيلة التي يدعو إليها الكاتب هي أن نميّز بين «الاعتماد» و«التبعيّة»: أن نستعين بالرفيق الرقمي حيث يحرّرنا للأرقى، لا حيث يستبدل بنا. فحين تتولّى الآلة الحساب الممل والترتيب الرتيب والبحث المضني، يتفرّغ الإنسان لما لا تقدر عليه: السؤال الأخلاقي في الموقف الملتبس، والحدس الذي يستشعر ما لا يُقاس، والمعنى الذي لا يُختزَل في بيانات. وقد بيّنت أبحاثٌ في معهد ماساتشوستس للتقنية وفي جامعة أكسفورد أنّ أخطر ما يهدّد المجتمعات في عصر الوفرة المعلوماتية ليس نقص المعرفة، بل ضمور القدرة على تمييز الأصيل من المزيّف، والحقيقيّ من المصطنع؛ وهي قدرةٌ لا تُورَّث ولا تُشترى، بل تُربّى بالممارسة النقدية اليومية. ولعلّ أخطر صور هذا العصر أنّ الزيف فيه لن يكون فجّاً ينكشف بسهولة، بل أنيقاً مقنعاً يحاكي الحقيقة في كلّ تفصيل، حتى يعجز المرء عن أن يثق بعينيه وأذنيه، فلا يبقى له من سلاحٍ سوى عقلٍ نقديٍّ مدرَّبٍ على الشكّ المنهجي لا الارتياب العدمي.

ولأنّ النقد دون عملٍ ترفٌ فكري، فإنّ ثمّة ركائز عمليةٍ يقترحها الكاتب لمن أراد أن يدخل عام 2035 سيّداً لا تابعاً. الركيزة الأولى أن نحتفظ بـ«مساحاتٍ بلا خوارزمية» في يومنا: ساعاتٌ نفكّر فيها دون مساعد، ونقرأ فيها دون توصية، ونختار فيها دون ترشيح، حفاظاً على عضلة الإرادة من الضمور، فإنّ العقل كالعضلة يضمر حين يهجره صاحبه إلى الراحة، ويقوى حين يكدح في مشقّة الاختيار. والركيزة الثانية أن نطالب بالشفافية حقّاً لا شعاراً: أن نعرف على أيّ بياناتٍ بُني الرفيق الذي يحاورنا، ولمصلحة من يعمل، وكيف يربح ممّن يدّعي خدمتهم، فلا نسلّم قرارنا لصندوقٍ أسود يأبى أن يُفسَّر. والركيزة الثالثة أن نربّي الناشئة على «المناعة المعرفية»: ألّا يقبلوا الجواب لمجرّد أنّه جاء بثقةٍ وطلاقة، بل يسألوا عن مصدره وعن المسكوت عنه فيه، وأن يدركوا أنّ أبلغ الإجابات قد يكون أخطرها حين يصاغ ليقنع لا ليصدق. والركيزة الرابعة أن نستثمر في القدرة الوطنية لبناء أنظمتنا الخاصة بلغتنا وقيمنا، لا أن نظلّ مستهلكين لرفيقٍ صيغ بعيداً عنّا. وهنا يجد السياق العربي فرصته؛ فرؤية المملكة 2030 حين جعلت الإنسان السعودي محور التنمية، ووظّفت التقنية أداةً في خدمة جودة الحياة لا غايةً تبتلع الإنسان، إنما تقدّم نموذجاً يستحقّ التأمّل: أن تُبنى السيادة الرقمية من القاعدة عبر التعليم والبحث وريادة الأعمال، فتصير الأمة صانعةً للرفيق الرقمي لا محكومةً به. فالأمة التي تكتب خوارزمياتها تكتب جزءاً من مستقبل أبنائها، والأمة التي تستوردها جاهزةً تتنازل عن قطعةٍ من إرادتها دون أن تدري، وتجد نفسها بعد حينٍ تابعةً في عالمٍ ظنّت أنّها دخلته شريكةً نِدّاً.

فإلى أين نمضي؟ يرى الكاتب أنّ عالم 2035 لن يكون جنّةً موعودة ولا جحيماً محتوماً، بل سيكون ما نصنعه نحن بقراراتنا الصغيرة اليوم: في كلّ مرّةٍ نفوّض فيها قراراً للآلة دون مراجعة، نرسم ملمحاً من ذلك العالم؛ وفي كلّ مرّةٍ نحتفظ فيها بحقّنا في السؤال، نرسم ملمحاً مغايراً. فالرفيق الرقمي الدائم، مهما بلغ ذكاؤه، سيظلّ مرآةً تعكس من يبرمجه ومن يستخدمه؛ إن أودعناه حكمتنا ضاعف أثرها، وإن سلّمناه إرادتنا أعادها إلينا أصفاداً ناعمة. ولعلّ أنبل ما يمكن أن يفعله هذا الحضور الدائم في حياتنا ليس أن يريحنا من التفكير، بل أن يذكّرنا — بحدّته وكفاءته — بما لا يقدر هو على فعله: أن نحلم، وأن نختار، وأن نتحمّل تبعة اختيارنا، وأن نمنح الأشياء معناها بدل أن ننتظر منه أن يمنحنا إياه. وما دام السؤال «من أكون حين تعرف الآلة كلّ شيءٍ عنّي؟» بأيدينا، فإنّ المستقبل، مهما اشتدّ ذكاء رفقائنا الرقميين، يبقى ملكاً لنا لا لهم؛ ولعلّ ذلك وحده هو الجواب الذي لا تستطيع آلةٌ أن تنتزعه منّا.