شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

طريقك المباشر للذكاء الاصطناعي

ماذا لو كان أعظم ما يقف بينك وبين الذكاء الاصطناعي ليس نقصاً في ذكائك، بل فائضاً في خوفك من كلمةٍ واحدة هي «التقنية»؟

تأمّل هذه المفارقة الصامتة التي يعيشها ملايين الناس كلّ صباح: يفتحون هواتفهم فتقترح عليهم خوارزمية ما يقرؤون، وتترجم لهم عبارةً عابرة، وترشدهم في طرقات المدينة، ثم يقولون عن أنفسهم بثقةٍ مطلقة إنهم «لا يفهمون شيئاً في التقنية». إنهم يستعملون الذكاء الاصطناعي لحظةً بلحظة، بينما يحسبون أنفسهم غرباء عنه؛ يركبون الموجة وهم يقسمون أنهم لا يجيدون السباحة. وفي هذا التناقض بالذات يكمن أوّل ما ينبغي تفكيكه؛ فالحاجز الذي يؤخّر المبتدئ ليس حاجزاً معرفياً بقدر ما هو حاجزٌ نفسيّ، تواطأت على بنائه ثقافةٌ صوّرت الذكاء الاصطناعي عالماً سرّياً لا يدخله إلا حَمَلة الشهادات في الرياضيات والبرمجة. ويرى الكاتب أنّ تحطيم هذا الوهم وحده يساوي نصف الطريق؛ إذ ما إن يدرك الإنسان أنه يقف على أرضٍ يعرفها لا في فضاءٍ غريب، حتى تتبدّل علاقته بالموضوع من رهبةٍ مشلّة إلى فضولٍ محرِّك.

ولكي تستقرّ هذه الحقيقة في الوعي، يحسن أن نعيد للذكاء الاصطناعي حجمه الصحيح بعيداً عن أساطير الشاشة. فهو في جوهره ليس عقلاً واعياً يتربّص بالبشر، بل هو منظوماتٌ تتعلّم من الأمثلة بدلاً من أن تُلقَّن القواعد، تستخلص الأنماط من كمٍّ هائل من البيانات ثم تعمّمها على حالاتٍ جديدة. وقد عرّفته جامعة ستانفورد، في مبادرتها للذكاء المتمحور حول الإنسان، بوصفه علماً وهندسةً لصناعة آلاتٍ ذكية غايتها أن تخدم الإنسان لا أن تحلّ محلّه؛ وهو تأطيرٌ يحرّر المبتدئ من رهبةٍ زائفة، لأنه يكشف أنّ ما أمامه أداةٌ قابلة للفهم والتطويع، لا كائنٌ غامض يستعصي على الإدراك. ومتى صار الذكاء الاصطناعي في ذهنك أداةً لا أسطورة، انتقلت من موقع المتفرّج المذعور إلى موقع المستعمل الواثق، وهذا التحوّل في الموقع هو شرط كلّ بدايةٍ ناجعة.

غير أنّ السؤال الذي يلحّ عند هذه العتبة هو السؤال الأصعب: من أين أبدأ ولا خلفية تقنية لي؟ والجواب الذي يخالف السائد أنّ غياب الخلفية التقنية لم يعد العائق الذي كان عليه قبل سنوات قليلة. فقد أحدثت أدوات الذكاء التوليدي تحوّلاً جذرياً في مدخل التعلّم؛ إذ صار بمقدور أيّ إنسانٍ يجيد القراءة والكتابة أن يحاور نموذجاً لغوياً بلغته الطبيعية، فيختبر قدراته وحدوده في الساعة الأولى دون سطرٍ واحد من البرمجة. ولهذا فإنّ المدخل الأذكى اليوم ليس كتاباً في الجبر الخطّي ولا دورةً في لغةٍ برمجية، بل هو الأداة نفسها بين يديك تجرّبها وتسائلها وتلمس أثرها مباشرة. وقد أشار باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ضمن دراساتهم حول أثر أدوات الذكاء التوليدي في الإنتاجية، إلى أنّ هذه الأدوات ترفع أداء المبتدئين والمتوسّطين أكثر مما ترفع أداء الخبراء، لأنها تسدّ لديهم فجوةً في الصياغة والتنظيم؛ وهي نتيجةٌ تقلب المعادلة القديمة رأساً على عقب، إذ تجعل افتقارك إلى الخبرة السابقة موضع استفادةٍ أكبر لا عائقاً أكبر.

شاطئ الجبيل ومن هذا الباب تدخل أوّل مهارةٍ عملية ينبغي للمبتدئ أن يصقلها، وهي مهارةٌ لا تتطلّب رياضيات ولا شيفرة، بل تتطلّب صفاءً في التفكير ووضوحاً في السؤال؛ إنها مهارة مخاطبة النموذج، أو ما يُعرف بهندسة التلقين. فالفارق بين مستخدمٍ يجني من الأداة نتائج باهرة وآخر يجني عباراتٍ عامة مكرورة، إنما هو فارقٌ في جودة السؤال لا في جودة الأداة. ولنضرب مثالاً يوضّح ذلك: من يطلب من النموذج «اكتب لي عن إدارة الوقت» يحصل على كلامٍ إنشائيٍّ لا يكاد ينفعه، أمّا من يقول «تقمّص دور مدرّبٍ يخاطب موظّفاً مرهقاً يعمل تسع ساعاتٍ يومياً، واقترح ثلاث عاداتٍ صغيرة قابلة للتطبيق غداً صباحاً» فإنه يحصل على نتيجةٍ تكاد تكون خطّةً جاهزة. والفارق بين الطلبين ليس في ذكاء الآلة، بل في وضوح ذهن سائلها؛ فالأداة مرآةٌ تعكس دقّة من يخاطبها أو ضبابيّته. وهنا يكمن سرٌّ تربويٌّ عميق: المبتدئ الذي يتعلّم صياغة السؤال يتعلّم في الحقيقة كيف يفكّر بترتيب، وهذه مهارةٌ تنفعه فيما هو أبعد من الآلة بكثير.

شاطئ الجبيل على أنّ الانبهار بسهولة هذه الأدوات يحمل في طيّاته فخّاً لا بدّ من التنبّه له. فكثيرٌ ممن يبدؤون اليوم يقعون في وهم الإتقان السريع؛ إذ توهمهم الأداة التي تنجز المهمة بضغطة زرٍّ بأنهم أمسكوا بالمهارة، بينما هم يقفون على سطحها لا في عمقها. وقد نبّهت دراساتٌ في علوم التعلّم، من بينها أبحاثٌ احتضنتها جامعة هارفارد حول التعلّم النشط، إلى أنّ المتعلّم الذي ينخرط في الممارسة الفعلية يحقّق مكاسب معرفيةً تفوق أضعاف ما يحقّقه المتلقّي السلبيّ، حتى وإن شعر هذا الأخير بأنه يتعلّم أكثر. والمفارقة التي كشفتها تلك الأبحاث أنّ من يتعلّمون بالممارسة يظنّون أنهم حصّلوا أقلّ، لأنّ الجهد الذهنيّ يُشعرهم بالعناء، بينما تمنح المشاهدة المنسابة وهماً مريحاً بالاستيعاب. ويرى الكاتب أنّ المبتدئ المعاصر يواجه تحدياً معاكساً لتحدي من سبقه؛ لم يعد التحدي في الوصول إلى المعرفة بعد أن صارت في متناول الجميع، بل في مقاومة إغراء الاكتفاء بقشرتها. فالأداة التي تكتب عنك قد تحرمك من أن تتعلّم الكتابة، إن لم تتعمّد أن تسائلها وتنقد مخرجاتها وتعيد بناءها بوعيك أنت.

وانطلاقاً من ذلك، تقوم الركيزة الأولى للبداية الصحيحة على بناء التصوّر الكلّيّ قبل الغوص في أيّ تفصيل تقنيّ. فلا حاجة بالمبتدئ أن يفتح كتاباً في المعادلات، بل أن يستوعب الصورة العامة: ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة والتعلّم العميق؟ وكيف يتعلّم النموذج من البيانات أصلاً؟ وأين تكمن حدوده ومكامن أخطائه؟ هذه الخريطة الذهنية هي التي تمنح كلّ ما يأتي بعدها معنىً ومكاناً، فلا تتحوّل المعلومات إلى شظايا متناثرة. وقد أشار تقرير مؤشّر ستانفورد للذكاء الاصطناعي إلى أنّ الفجوة بين من يفهمون أساسيات هذه التقنية ومن يستخدمونها دون فهمٍ آخذةٌ في الاتّساع، وأنّ القيمة الحقيقية تتحقّق لمن يجمع بين الاستخدام والإدراك معاً لا لمن يكتفي بأحدهما.

أمّا الركيزة الثانية فهي أن يجعل المبتدئ من مشكلةٍ تعنيه شخصياً وحدةَ تعلّمه الأولى، لا الدرس المجرّد ولا الموضوع المعزول. فبدل أن يسأل سؤالاً مفتوحاً بلا نهاية «من أين أبدأ؟»، يحسن به أن يبدأ بحاجةٍ ملموسة: موظّفٌ يريد أن يلخّص تقاريره، ومعلّمٌ يريد أن يصمّم أسئلة اختبار، وصاحب متجرٍ صغير يريد أن يكتب أوصاف منتجاته. فحين يتعلّم المبتدئ ما يلزم مشكلته متى لزم، يصبح التعلّم مشدوداً إلى غايةٍ حيّة لا معلّقاً في الفراغ. وهذا ما تذهب إليه فلسفة التعلّم القائم على المشكلات التي تبنّتها جامعاتٌ عريقة في مناهجها، إذ تثبت أنّ المعرفة المكتسبة في سياق حلٍّ حقيقيّ تُستدعى وتُوظَّف أيسر بكثير من المعرفة المخزّنة بمعزلٍ عن سياق استعمالها. فالبداية إذن ليست من موضوعٍ بعينه، بل من سؤالٍ تريد للآلة أن تجيب عنه.

وتأتي الركيزة الثالثة لتسدّ ثغرةً يغفل عنها كثيرٌ من المتعجّلين، وهي الوعي النقديّ والأخلاقيّ بوصفه جزءاً من الكفاءة لا إضافةً تجميلية. فقد شدّد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ضمن مبادئها للذكاء الاصطناعي، على أنّ الإلمام بالتحيّز والشفافية والمساءلة صار مكوّناً أصيلاً من مكوّنات الكفاءة لا ترفاً ملحقاً بها. ومن لا يدرك أنّ النموذج قد يرث تحيّزات بياناته، أو أنّ مخرجاته قد تبدو واثقةً وهي مخطئة، يظلّ أسيراً لأداةٍ لا يفهم حدودها مهما أتقن تشغيلها. وقد نبّه المنتدى الاقتصادي العالمي، في تقاريره حول مهارات المستقبل، إلى أنّ التفكير النقديّ والحكم الأخلاقيّ صارا في صدارة الكفاءات المطلوبة جنباً إلى جنب مع الإلمام التقنيّ لا في معزلٍ عنه؛ وهو ما يجعل المبتدئ الذي يصاحب أداته بعين الناقد لا بعين المنبهر أقربَ إلى الكفاءة الحقّة ممن يجيد تشغيلها وحسب.

ويعزّز هذا المسارَ كلَّه أن يسلكه المبتدئ في جماعةٍ لا في عزلة. فمن يسير وحده يتعثّر عند أوّل عقبةٍ مستعصية، بينما الذي ينخرط في مجتمعٍ من المتعلّمين يجد من يجيب سؤاله ويصوّب مساره ويذكي حماسه حين يفتر. وقد لاحظت دراساتٌ تربوية، من بينها أبحاثٌ صادرة عن جامعة أكسفورد حول بيئات التعلّم، أنّ التعلّم المدعوم بالأقران يرفع معدّلات الإكمال ويقلّل التسرّب، لا سيّما في الميادين التي تكثر فيها نقاط التعثّر. ومن جرّب أن يشرح فكرةً تعلّمها لغيره أدرك أنّ التعليم نفسه أعمق صور التعلّم رسوخاً.

ولا يخفى أنّ هذا الحديث يكتسب في السياق العربيّ راهنيةً خاصة. فالمنطقة تعيش لحظة تحوّلٍ يضع الإلمام بالذكاء الاصطناعي في صميم مشروعاتها الكبرى؛ وتأتي رؤية السعودية ألفين وثلاثين في طليعة هذا التوجّه، إذ تجعل من بناء القدرات الرقمية وتوطين المهارات المتقدّمة ركيزةً لاقتصاد المعرفة الذي تنشده. والمبتدئ العربيّ الذي يبدأ اليوم لا يطوّر مهارةً فردية فحسب، بل يضع لبنةً في صرحٍ جماعيّ تتسابق إليه الأمم. ويرى الكاتب أنّ أكبر خسارةٍ يمكن أن يتكبّدها شابٌّ عربيّ اليوم ليست أن يخفق في تعلّم خوارزميةٍ معقّدة، بل أن يؤجّل خطوته الأولى انتظاراً لخلفيةٍ تقنية لن تأتي إلا بالبدء نفسه.

والناظر إلى أفق السنوات القادمة يدرك أنّ الفجوة الفاصلة لن تكون بين من يحمل شهادةً تقنية ومن لا يحملها، بل بين من تجرّأ على البدء ومن ظلّ ينتظر اللحظة المثالية التي لا تجيء. فمع تسارع اندماج هذه الأدوات في كلّ مهنةٍ وحرفة، سيغدو الإلمام بها أقرب إلى المعرفة بالقراءة والكتابة منه إلى التخصّص النادر، ولن يُسأل المرء عن خلفيّته بقدر ما يُسأل عن قدرته على توجيه الأداة ونقد مخرجاتها. ومن ثمّ فإنّ من يبدأ اليوم ولو من الصفر، يحطّم أوّلاً وهم الحاجز النفسيّ، ثم يلمس الأداة بيده، ثم يبني تصوّره الكلّيّ، ثم يشدّ تعلّمه إلى مشكلةٍ حيّة، ثم يحرس وعيه النقديّ، ثم يثابر في جماعةٍ تسنده، إنما يضع قدمه على طريقٍ مباشر لا يَعِد بالإتقان غداً، لكنه يضمن أن يكون كلّ يومٍ أقرب إليه من سابقه. وتلك هي البشارة الأخيرة التي يحتاجها كلّ من وقف على العتبة متردّداً: أنّ الباب مفتوحٌ على مصراعيه، وأنّ مفتاحه ليس شهادةً ولا خلفيةً سابقة، بل قراراً واحداً بأن تبدأ الآن، من حيث أنت، بما لديك، فالطريق لا يُقطع بالتمنّي، وإنما تصنعه خطوةٌ أولى تجرؤ على أن تخطوها اليوم.