شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

سوق الذكاء الاصطناعي في 2029

حين يُكتب على مستندٍ ماليٍّ أنّ سوقاً بعينه سيبلغ تريليونات الدولارات بحلول عام 2029، فالسؤال الأجدر بالطرح ليس كم سيبلغ، بل من الذي يربح من إقناعك بأنّه سيبلغ ذلك؟

ثمّة طقسٌ سنويٌّ تكرّره بيوت التحليل وصناديق الاستثمار كلّ كانون الثاني: تُنشر أرقامٌ ضخمةٌ عن حجم سوق الذكاء الاصطناعي في نهاية العقد، تتقاذفها الصحف وتتناقلها العروض التقديمية كأنها حقائق منزّلة، ثم يُبنى عليها قرارُ توظيفٍ هنا وصفقة استحواذٍ هناك. غير أنّ القارئ النبيه يدرك أنّ هذه التوقّعات ليست نبوءةً عن المستقبل بقدر ما هي مرآةٌ لرغبات الحاضر، تتضخّم كلّما اشتدّت حُمّى التمويل وتنكمش حين يبرد السوق. ولأنّ عام 2029 صار خطّ الأفق الذي تتقاطع عنده معظم هذه التوقّعات، فإنّ قراءته قراءةً نقديةً صارت ضرورةً لا ترفاً، كي لا نسلّم عقولنا لأرقامٍ مهيبة المظهر هشّةِ الأساس.

لنبدأ من حيث ينبغي أن نبدأ: من حجم اليقين لا من حجم السوق. تتفاوت تقديرات قيمة سوق الذكاء الاصطناعي العالمي بحلول نهاية العقد تفاوتاً مذهلاً يبلغ أضعافاً مضاعفة بين أدنى تقديرٍ وأعلاه، وهذا التباين وحده ينبغي أن يوقظ الحذر؛ فحين يختلف الخبراء على الرقم بمقدار ثلاثة أضعافٍ أو أربعة، فهم في حقيقة الأمر يخبروننا أنّهم لا يعرفون، وأنّ ما يقدّمونه تخمينٌ مهذّبٌ يرتدي بدلة الإحصاء. ومردّ هذا الاضطراب أنّ تعريف «سوق الذكاء الاصطناعي» نفسه مائعٌ غير منضبط؛ فهل نحسب رقائق المعالجة وحدها، أم نضمّ إليها البرمجيات والخدمات السحابية، أم نمضي أبعد فنُدخل كلّ منتجٍ لمسته خوارزميةٌ من قريبٍ أو بعيد؟ كلّما اتّسع التعريف تضخّم الرقم، حتى يكاد يفقد معناه. وقد نبّه مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي في تقاريره المتعاقبة إلى أنّ كثيراً من أرقام السوق تخلط بين الاستثمار المُعلَن والقيمة المتحقّقة فعلاً، وبين الإنفاق على البنية التحتية والعائد الذي تدرّه، وهي مغالطةٌ تجعل من السهل أن نُبهَر بالمدخلات ونغفل عن المخرجات.

ولفهم لماذا يجب أن نقرأ هذه الأرقام بحذرٍ نقديّ، يلزمنا أن نتذكّر طبيعة من يصنعها. فبيوت الأبحاث التجارية تبيع التقارير، ورأس المال المغامر يبيع الحماس، والشركات الكبرى تبيع السرديّة التي ترفع أسهمها. وحين تتقاطع مصالح هؤلاء جميعاً عند رقمٍ متفائل، يصبح التفاؤل بنيةً مؤسسيةً لا اجتهاداً علمياً محايداً. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في توقّعات السوق ليس خطؤها المحتمل، بل أنّها تتحوّل إلى نبوءاتٍ ذاتية التحقّق جزئياً: حين يصدّق الجميع أنّ السوق سيتضخّم، يضخّون فيه أموالهم فيتضخّم فعلاً لبعض الوقت، لا لأنّ القيمة الحقيقية بلغت ذلك، بل لأنّ التوقّع ذاته صار وقوداً. وهذه آليةٌ تعرفها فقاعات التاريخ كلّها، من سكك الحديد في القرن التاسع عشر إلى شركات الإنترنت في مطلع الألفية، حيث كان السوق «واعداً» إلى أن انكشف أنّ نصف الوعد كان حبراً على ورق.

شاطئ الجبيل على أنّ هذا الحذر لا يعني أنّ القطاعات الصاعدة وهمٌ محض؛ فثمّة تحوّلٌ حقيقيٌّ جارٍ، والمسألة في تمييز الصلب من الزائف. والقطاعات التي تبدو مرشّحةً للنموّ الأكثر رسوخاً بحلول 2029 هي تلك التي يلتقي فيها الذكاء الاصطناعي بحاجةٍ مؤلمةٍ قائمة. ففي الرعاية الصحية، حيث تشير أبحاث جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية إلى تقدّمٍ ملموسٍ في قراءة الصور التشخيصية واكتشاف الأدوية، تبدو القيمة ملموسةً لأنّها تختصر زمناً وتنقذ أرواحاً. وفي القطاع المالي، حيث رصد الاحتيال وتقييم المخاطر مهمّتان كميّتان بطبيعتهما، يجد الذكاء الاصطناعي أرضاً خصبة. أمّا البنية التحتية الحاسوبية ذاتها — مراكز البيانات والرقائق المتخصّصة — فهي القطاع الذي يكاد يكون نموّه مؤكّداً، إذ يستهلك تدريب النماذج طاقةً ومعالجةً نهمتين، حتى نبّه باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أنّ كلفة الطاقة والمياه قد تصبح القيد الحقيقي للنموّ لا رأس المال. ويرى الكاتب أنّ المفارقة الكبرى هنا أنّ أوضح الرابحين في سوق الذكاء الاصطناعي قد لا يكون من يبيع «الذكاء»، بل من يبيع المعاول والفؤوس: الكهرباء، والرقائق، والتبريد، تماماً كما أثرى تجّار العتاد في عصر حُمّى الذهب أكثر ممّا أثرى معظم المنقّبين.

شاطئ الجبيل ولا يقف الأمر عند حدّ التعريف المائع، بل يمتدّ إلى منهجية التوقّع ذاتها؛ فمعظم هذه الأرقام يُشتقّ من «معدّل النموّ السنوي المركّب»، وهو أداةٌ رياضيةٌ تفترض أنّ ما حدث في عامين أو ثلاثة سيستمرّ على وتيرته عقداً كاملاً، وكأنّ المستقبل امتدادٌ خطيٌّ للماضي لا يعرف انكساراً ولا تشبّعاً. غير أنّ التاريخ التقني علّمنا أنّ المنحنيات الصاعدة تنحني في النهاية، وأنّ كلّ تقنيةٍ تبلغ سقفاً يتباطأ عنده نموّها مهما بدا في بدايته أسّياً لا حدّ له. وقد لاحظ باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية أنّ كثيراً من التوقّعات المتفائلة تتجاهل القيود المادّية الصلبة، من ندرة الرقائق المتقدّمة إلى محدودية الطاقة الكهربائية، وهي قيودٌ لا تُحلّ بضخّ المال وحده. فالرقم الذي يُعرض في شريحةٍ أنيقةٍ قد يكون سليماً حسابياً وزائفاً واقعياً في آنٍ معاً، لأنّه يصف عالماً مثالياً لا يصطدم بجدران الفيزياء والاقتصاد. ومن هنا فإنّ قراءة التوقّع تقتضي أن نسأل دائماً: ما الافتراضات الخفيّة التي بُني عليها؟ وأيّها أوّل ما ينهار عند أوّل صدمة؟

ويُضاف إلى القطاعات الراسخة قطاعٌ يُغفل ذكره رغم وعده العميق. وهو أتمتة العمليات في الصناعة واللوجستيات والزراعة، حيث لا يحتاج الذكاء الاصطناعي أن يكون بليغاً ولا مبهراً، بل دقيقاً وموثوقاً في مهامّ متكرّرة تختصر الكلفة وترفع الإنتاجية. وهنا تحديداً، حيث لا أضواء ولا عناوين برّاقة، قد تتحقّق أكبر القيمة الاقتصادية الصامتة، إذ يُشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنّ إعادة تشكيل المهام الروتينية ستكون أعمق أثراً في سوق العمل من الوظائف اللمّاعة التي تتصدّر النقاش العام. ويرى الكاتب أنّ الحكمة تقتضي أن نوزّع انتباهنا بين القطاعات التي تَصخب بها الأخبار والقطاعات التي تعمل في صمت، فالقيمة الحقيقية كثيراً ما تختبئ بعيداً عن الضوضاء.

وأمّا الأسماء الكبرى، فالحديث عنها يستدعي تواضعاً مضاعفاً؛ إذ لا يملك أحدٌ بصدقٍ أن يجزم بمن سيتصدّر المشهد بعد سنوات في حقلٍ تنقلب موازينه كلّ بضعة أشهر. ما يمكن قوله بثقةٍ أنّ بنية السوق تميل اليوم نحو تركّزٍ مقلق؛ فحفنةٌ من شركات التقنية العملاقة تملك ثلاثة أركانٍ يصعب على المنافسين الصغار مجاراتها: البيانات الهائلة، والقدرة الحاسوبية الباهظة، والمواهب النادرة. وقد حذّرت دراساتٌ من جامعة هارفارد وكلية إدارة الأعمال فيها من أنّ هذا التركّز قد يُفرغ المنافسة من مضمونها، فيتحوّل ما يُسوَّق بوصفه ثورةً ديمقراطيةً في متناول الجميع إلى احتكارٍ تقنيٍّ يُعيد إنتاج موازين القوى القديمة بأدواتٍ جديدة. ويرى الكاتب أنّ أصدق مؤشّرٍ على من سيربح في 2029 ليس من يملك أفضل نموذج، بل من يملك أعمق جيبٍ يصمد لسنوات الخسارة قبل أن تنضج الأرباح؛ فهذه ليست منافسة أفكارٍ بقدر ما هي منافسة أنفاسٍ طويلة، والنَّفَس الطويل يحتاج رأس مالٍ لا يملكه إلا قلّة.

على أنّ التركّز ليس قدراً محتوماً، وثمّة قوىً مضادّةٌ تستحقّ الالتفات؛ فظهور النماذج المفتوحة المصدر، وتراجع كلفة التشغيل تراجعاً حادّاً كما وثّقه مؤشر ستانفورد، قد يفتحان كوّةً أمام لاعبين أصغر وأكثر رشاقة. وقد يتحوّل الميدان من سباقٍ على بناء أضخم نموذجٍ ممكن إلى سباقٍ على أذكى تطبيقٍ لحاجةٍ بعينها، وهو ميدانٌ لا يحتكره عمالقةٌ بالضرورة. ويرى الكاتب أنّ أرباح 2029 الأبقى قد لا تكون في طبقة النماذج العملاقة المكلفة، بل في الطبقة التطبيقية الملاصقة للمستخدم، حيث تتحوّل القدرة الخام إلى قيمةٍ يلمسها الناس في عيادةٍ أو مصنعٍ أو مدرسة. فمن يملك النموذج شيء، ومن يملك العميل والمسألة الحقيقية شيءٌ آخر، والثاني أعصى على الزوال.

ولا تكتمل الصورة دون النظر إليها من زاويتنا العربية. فحين تُتلى أرقام السوق العالمية، يَحسُن أن نسأل: أين موقعنا منها؟ هل نحن سوقٌ استهلاكيٌّ تُباع فيه المنتجات، أم منتِجٌ يصنع القيمة؟ وقد جعلت رؤية السعودية 2030 من الذكاء الاصطناعي ركيزةً صريحةً للتحوّل الاقتصادي، إدراكاً بأنّ الدخول مبكراً إلى صناعة التقنية أجدى من اللحاق بها مستهلكاً متأخّراً. غير أنّ الطموح وحده لا يكفي؛ إذ ينبّه المنتدى الاقتصادي العالمي ومنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ القيمة الحقيقية لا تُقاس بحجم الإنفاق على التقنية، بل بقدرة الاقتصاد على توطين الكفاءات وبناء البيانات المحلية. ومن هنا يرى الكاتب أنّ أخطر فخٍّ قد نقع فيه أن نقرأ أرقام 2029 بوصفها كعكةً نسعى إلى اقتطاع حصّةٍ منها، بينما الرهان الأذكى أن نُسهم في صناعة الكعكة نفسها بلغتنا وبياناتنا وحاجاتنا، فمن يكتفي بشراء الأدوات يبقى أسير من يصنعها.

وعلى هذا، تتّضح ركائز عمليةٌ لمن أراد أن يتعامل مع توقّعات 2029 بعقلٍ راجح. أولاها أن نفصل بين اتّجاه السوق ومقداره؛ فالاتّجاه نحو النموّ معقولٌ ومدعوم، أمّا المقدار الدقيق فتخمينٌ يجدر أخذه بتحفّظ. وثانيتها أن نلاحق العائد لا الضجيج؛ فالقطاع الذي يحلّ مشكلةً حقيقيةً ويُدِرّ دخلاً ملموساً أبقى من القطاع الذي يعيش على وعودٍ مؤجّلة. وثالثتها أن نحذر تركّز القوّة، فنبني بدائل وطنيةً وإقليميةً لا تجعلنا رهائن لقلّةٍ تحتكر البنية والبيانات. ورابعتها أن نستثمر في الإنسان قبل الآلة؛ إذ تؤكّد أبحاث جامعة هارفارد أنّ العائد الأكبر يتحقّق حين يقترن الذكاء الاصطناعي بكفاءةٍ بشريةٍ تُحسن توجيهه، لا حين يُترك ليحلّ محلّها.

وفي الختام، لعلّ أنفع ما نخرج به من هذا الاستشراف أنّ المستقبل لا يُقرأ في جدولٍ ماليٍّ مهما بدا دقيقاً، بل يُصنع بقراراتٍ نتّخذها اليوم ونحن نعي حدود معرفتنا. فأرقام 2029 ليست خريطةً للطريق بقدر ما هي اختبارٌ لبصيرتنا: هل نملك من النقد ما يجعلنا نميّز الوعد الصادق من السراب اللامع؟ إنّ السوق الحقيقية ليست تلك التي تُرسم على شرائح العرض، بل تلك التي تُبنى بالعمل الصبور والبيانات النظيفة والكفاءات المتجذّرة. وحين يأتي عام 2029 فعلاً، لن يُسأل من تنبّأ بالرقم الأصحّ، بل من بنى القيمة الأبقى. فالأرقام الكبرى تمضي مع ريح الموسم، أمّا ما يصمد فهو ما زرعناه في الأرض حين كان الجميع منشغلاً بالتحديق في السماء. فهل نُحسن، نحن أبناء هذه المنطقة، أن نزرع بينما الآخرون يعدّون النجوم؟