شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

رقائق الذكاء الاصطناعي

ما الذي يجعل قطعةً من السيليكون لا تتجاوز مساحتها ظفرَ إبهامٍ أثمنَ من حقول النفط في موازين القوى الجديدة؟ تأمّل المفارقة: دولٌ تملك ثرواتٍ طائلة وجيوشاً جرّارة، لكنها تقف عاجزةً أمام مصنعٍ واحدٍ في جزيرةٍ صغيرة يحتكر صناعة أكثر الرقائق تطوّراً في العالم، حتى صار مصير الذكاء الاصطناعي برمّته معلّقاً بخيطٍ رفيعٍ من سلاسل إمدادٍ تمرّ عبر بضعة مصانعَ لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. فبينما ينشغل الناس بالنماذج اللغوية التي يحاورونها على شاشاتهم، تدور في الخفاء معركةٌ صامتة أشدّ ضراوة، معركةٌ على المعالِج الذي يُشغّل تلك النماذج، والذي يقرّر في نهاية المطاف من سيقود ثورة الحوسبة ومن سيظلّ متفرّجاً عليها لا حول له ولا قوة.

لفهم خطورة هذه المعركة لا بدّ من العودة إلى جذر بسيط يغفل عنه كثيرون: أنّ الذكاء الاصطناعي ليس برمجيةً تطفو في الفراغ، بل هو في جوهره عملياتٌ حسابيةٌ هائلة تجري على عتادٍ مادّي ملموس. وكلّ نموذجٍ لغويٍّ تحاوره، وكلّ صورةٍ يولّدها الحاسوب، إنما هي حصيلة تريليونات العمليات الرياضية التي تُنفَّذ في كسور الثانية على رقائقَ متخصّصة. وقد كانت المعالجات المركزية التقليدية، تلك التي صُمّمت لتنفيذ التعليمات واحدةً تلو الأخرى بترتيبٍ صارم، عاجزةً عن مجاراة هذا النهم الحسابي. وهنا وقعت المصادفة التاريخية التي غيّرت كلّ شيء: فالمعالجات الرسومية التي ابتكرتها شركة إنفيديا أصلاً لتصيير مشاهد ألعاب الفيديو، والمصمّمة لتنفيذ آلاف العمليات البسيطة على التوازي في آنٍ واحد، تبيّن أنها تطابق تماماً طبيعة حسابات الشبكات العصبية. فكانت تلك القطعة التي وُلدت للّهو هي بعينها التي أيقظت عملاق التعلّم العميق من سُباته، وهو ما رصدته دراساتٌ في معهد ماساتشوستس للتقنية حين وثّقت كيف أنّ القفزات في قدرة الحوسبة لا الخوارزميات وحدها هي التي فجّرت الموجة الحالية. ومن هنا تبدّلت طبيعة الرقاقة جذرياً؛ فلم تعد قطعةً عامّة الأغراض تخدم كلّ المهام، بل صارت معالجاتٍ متخصّصةً تُصمَّم خصّيصاً لحسابات الذكاء الاصطناعي، حتى نشأت فئةٌ جديدة كاملة من العتاد لا غاية لها سوى تسريع تدريب النماذج وتشغيلها. وكلّما تعقّدت النماذج وتضخّمت، ازداد الجوع إلى رقائقَ أكثر تخصّصاً وأشدّ كفاءة، فدخل العالم سباقاً محموماً لا تُقاس فيه الغلبة بحجم الرقاقة وحده، بل بعدد العمليات التي تنجزها لكلّ واطٍ من الطاقة المستهلكة.

غير أنّ الحكاية الأعمق لا تكمن في تصميم الرقاقة، بل في صناعتها. فثمّة فرقٌ جوهري بين من يرسم المعالِج ومن يصنعه فعلاً، وهو فرقٌ يكاد يكون أهمّ ما في المعادلة بأسرها. فشركاتٌ مثل إنفيديا وأبل وكوالكوم تصمّم رقائقها لكنها لا تملك مصانعَ تنتجها، إذ تعتمد على ما يُعرف بنموذج «المسابك» المتخصّصة في التصنيع وحده. وفي قلب هذا النموذج تقف شركةٌ تايوانية واحدة هي «تي إس إم سي»، التي تصنّع وحدها الحصّة الأعظم من أكثر رقائق العالم تقدّماً، حتى غدت عُقدةً يستحيل تجاوزها في سلسلة الإمداد العالمية. ويرى الكاتب أنّ هذا التركّز غير المسبوق ليس مجرّد واقعةٍ اقتصادية عابرة، بل هو أخطر نقاط الهشاشة في البنية التقنية للحضارة المعاصرة؛ فما من صناعةٍ استراتيجيةٍ كبرى في التاريخ الحديث اعتمدت هذا الاعتماد المطلق على مصنعٍ واحدٍ في بقعةٍ جغرافيةٍ واحدةٍ محفوفةٍ بالتوتّرات السياسية. وقد نبّهت تحليلاتٌ صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي مراراً إلى أنّ هشاشة سلاسل إمداد أشباه الموصلات تمثّل خطراً منهجياً على الاقتصاد العالمي بأسره، لا على قطاع التقنية وحده. ويكفي للتدليل على عمق هذه الهشاشة أن نتذكّر كيف أنّ اضطراباً عابراً في إمداد الرقائق خلال السنوات الأخيرة عطّل مصانع السيارات وأجهزة الاتصال في أنحاء العالم كافة، وكبّد الاقتصاد العالمي خسائر تُقدّر بمئات المليارات؛ فإذا كان نقصٌ في رقائقَ بسيطةٍ نسبياً قد أحدث هذا الزلزال، فما بالك بانقطاعٍ في الرقائق المتقدّمة التي يقوم عليها صرح الذكاء الاصطناعي بأكمله. إنّ المسألة لم تعد ترفاً تجارياً، بل صارت أقرب إلى أمنٍ قوميٍّ تتسابق الدول إلى تأمينه قبل فوات الأوان.

ولا تتوقّف العُقَد عند المسابك، بل تمتدّ إلى أعلى السلسلة حيث تتربّع شركةٌ هولندية اسمها «إيه إس إم إل» على احتكارٍ شبه كامل لآلات الطباعة الضوئية فوق البنفسجية القصوى، تلك الأجهزة المعقّدة التي يتجاوز ثمن الواحدة منها مئات الملايين من الدولارات، والتي بدونها يستحيل نقش الدوائر متناهية الصغر على شرائح السيليكون. وهكذا تتكشّف لنا بنيةٌ هرميةٌ مذهلة في تركّزها: شركةٌ واحدة تحتكر الآلة، وشركةٌ واحدة تحتكر التصنيع المتقدّم، وحفنةٌ من الشركات تحتكر التصميم. ويرى الكاتب أنّ من يتأمّل هذا الهرم يدرك أنّ القوة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تُقاس بحجم رأس المال أو عدد المبرمجين، بل بموقع الدولة من هذه السلسلة الدقيقة؛ فالسيادة التقنية صارت في جوهرها سيادةً على الرقائق، ومن يفقد موضعه في هذه السلسلة يفقد قدرته على صياغة مستقبله الرقمي.

شاطئ الجبيل ومن هنا تحوّلت أشباه الموصلات من سلعةٍ تجارية إلى ساحةٍ للصراع الجيوسياسي المكشوف. فحين فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على تصدير الرقائق المتقدّمة وآلات صناعتها إلى الصين، لم يكن ذلك إجراءً اقتصادياً عابراً، بل كان إعلاناً بأنّ المعركة على المعالِج هي معركةٌ على المستقبل بأكمله. وردّت الصين بضخّ استثماراتٍ ضخمة في بناء صناعتها المحلّية سعياً للاكتفاء الذاتي، فيما أطلقت الولايات المتحدة وأوروبا قوانينَ طموحة لإعادة التصنيع إلى أراضيها بعد عقودٍ من نقله إلى آسيا. ويرى الكاتب أنّ هذا الاستقطاب الحادّ يدفع العالم نحو تشظٍّ تقنيٍّ خطير، حيث تتشكّل منظوماتٌ متوازية ومتنافسة بدل سلسلةٍ عالميةٍ واحدةٍ متكاملة، وهو تشظٍّ سيرفع كلفة الابتكار على الجميع ويبطئ وتيرة التقدّم الذي طالما ازدهر في فضاءٍ مفتوح. والمفارقة أنّ السعي المحموم نحو «الأمن التقني» قد يفضي إلى عالمٍ أقلّ أمناً وأبطأ نموّاً للجميع. فالابتكار في جوهره ثمرةُ تلاقحٍ بين العقول والأفكار عبر الحدود، وكلّما ارتفعت الأسوار بين المنظومات المتنافسة، خبت تلك الشرارة التي طالما اشتعلت في تقاطع الثقافات والخبرات. ويرى الكاتب أنّ الرابحين في هذا الاستقطاب ليسوا بالضرورة من يملكون أقوى الرقائق، بل من يحسنون التموضع بين الكتل المتصارعة فيستفيدون من الجميع دون أن يرتهنوا لطرفٍ واحد، وهي حكمةٌ جيوسياسية قديمة تتجدّد اليوم بثوبٍ تقنيٍّ جديد.

شاطئ الجبيل وهنا تبرز رؤيةٌ مخالفة للسائد ينبغي التوقّف عندها مطوّلاً. فالخطاب الرائج يصوّر إنفيديا بوصفها سيّدةً متربّعةً على عرشٍ لا يُنازَع، لكنّ التاريخ التقني يعلّمنا أنّ الاحتكارات في هذا الميدان أقصر عمراً ممّا تبدو. ويرى الكاتب أنّ الهيمنة الحالية لشركةٍ بعينها ليست قدراً محتوماً، بل لحظةٌ هشّةٌ في معادلةٍ متحرّكة؛ فكبرى الشركات التي تشتري هذه الرقائق بمليارات الدولارات تسعى اليوم بدأبٍ إلى تصميم رقائقها الخاصة لتتحرّر من هذا الاعتماد، ومعمارياتٌ مفتوحة المصدر بدأت تقضم أطراف السوق الذي طالما حُرس بأسوار براءات الاختراع. والدرس الذي تكرّر مراراً في تاريخ الحوسبة أنّ من يحتكر تقنية اليوم كثيراً ما يعجز عن احتكار تقنية الغد، لأنّ نموذج عمله ذاته يتحوّل إلى قيدٍ يكبّله عن القفز إلى النموذج التالي. وقد أشارت أبحاثٌ في جامعة ستانفورد إلى أنّ موجات الابتكار في العتاد تأتي على شكل تحوّلاتٍ جذرية لا تطوّراتٍ خطّية، وأنّ القفزة القادمة قد تأتي من معماريةٍ مختلفة كلّياً لا تُجاري فيها الشركات المهيمنة بالضرورة، فيتبدّل العرش من حيث لا يحتسب صاحبه.

ولعلّ أعمق ما في هذه المعركة بُعدٌ كثيراً ما يُهمَل: بُعد الطاقة. فالرقائق المتقدّمة لا تلتهم رؤوس الأموال فحسب، بل تلتهم الكهرباء بنهمٍ يفوق الخيال؛ إذ صارت مراكز البيانات التي تأوي عشرات الآلاف من هذه المعالجات تستهلك من الطاقة ما يوازي استهلاك مدنٍ بأكملها. ويرى الكاتب أنّ هذا البُعد سيغدو قريباً هو القيد الحاكم على سباق الذكاء الاصطناعي، لا توافر الرقائق وحده؛ فمن يملك طاقةً نظيفةً رخيصةً ووفيرة سيملك القدرة على تشغيل النماذج الأضخم بكلفةٍ أدنى، ومن ثَمّ سيقود المرحلة القادمة. وهنا تتلاقى معادلة الرقائق مع معادلة الطاقة في تشابكٍ سيعيد رسم خريطة القوة التقنية، إذ تنتقل الميزة التنافسية تدريجياً من امتلاك المعالِج وحده إلى امتلاك المنظومة المتكاملة التي تُشغّله. وقد نبّهت تقاريرُ منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ كلفة الطاقة وأثرها البيئي سيصبحان عاملين محوريين في تحديد جدوى توسّع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومستقبلها.

وحين ننقل البصر إلى السياق العربي، تتبدّى أمامنا فرصةٌ نادرة لا تتكرّر إلا في لحظات التحوّل الكبرى. فالمنطقة التي طالما صُنّفت مستهلكةً للتقنية تملك اليوم أوراقاً جديدة في هذه المعادلة المتغيّرة؛ فهي تملك من الطاقة الشمسية ما يكفي لتشغيل أضخم مراكز البيانات بكلفةٍ تنافسية، وتملك من رؤوس الأموال السيادية ما يؤهّلها للدخول في صناعةٍ تتطلّب استثماراتٍ هائلة. وقد جعلت رؤية السعودية ٢٠٣٠ من الاقتصاد الرقمي وبناء القدرات التقنية ركيزةً للتحوّل، وأطلقت مبادراتٍ طموحة في بناء البنية التحتية للحوسبة المتقدّمة وجذب صناعات التقنية المتطوّرة. ولا يخفى أنّ هذا التوجّه يحمل في طيّاته إدراكاً عميقاً بأنّ النفط الذي صنع ثروة الأمس قد لا يصنع نفوذ الغد، وأنّ من يملك القدرة على تشغيل عقول الآلات سيملك في القرن الحادي والعشرين ما ملكه أصحاب آبار النفط في القرن العشرين. غير أنّ الطريق إلى ذلك محفوفٌ بتحدّياتٍ جسام، أبرزها أنّ صناعة الرقائق ليست مشروعاً يُشترى جاهزاً، بل منظومةٌ متشابكة من المعرفة المتراكمة والكفاءات النادرة وسلاسل الإمداد المعقّدة التي يتطلّب بناؤها صبراً استراتيجياً طويل النفَس لا تُسعفه الأموال وحدها. ويرى الكاتب أنّ الرهان الذكي للمنطقة ينبغي ألّا يكون على محاكاة من سبقوا في تصنيع الرقائق ذاتها، فتلك معركةٌ خاضها الكبار لعقود، بل على احتلال المواقع المجاورة التي ما تزال مفتوحة: استضافة الحوسبة، وتوفير الطاقة، وبناء النماذج العربية التي تُغذّي الآلة بلغتنا وثقافتنا بدل أن نتلقّاها مصبوغةً بثقافة غيرنا.

وتتّضح من هذا التحليل ركائزُ عملية لمن أراد أن يفهم هذه المعركة لا أن يقف متفرّجاً عليها. أولاها أنّ السيادة التقنية الحقيقية تُبنى من أسفل السلسلة لا من أعلاها؛ فمن يكتفي باستهلاك المنتج النهائي يظلّ رهينةً لمن يصنع جوهره. وثانيها أنّ التركّز المفرط في أيّ عُقدةٍ من عُقَد الإمداد خطرٌ استراتيجيٌّ يستوجب التنويع ولو على حساب الكفاءة الآنية، فالمرونة في زمن الاضطراب أثمن من الكفاءة في زمن الاستقرار. وثالثها أنّ المعركة على الرقائق ليست معركةً تقنيةً بحتة، بل تشابكٌ بين التقنية والطاقة والسياسة والاقتصاد، ولا يُفلح فيها من يقرؤها ببعدٍ واحد. ورابعها أنّ نوافذ الفرص في هذا الميدان تُفتح في لحظات التحوّل ثم تُغلق سريعاً، فمن لم يقتنص فرصته حين تتبدّل الموازين انتظر دورةً كاملةً قد تمتدّ عقوداً. وخامسها، وهي الركيزة التي يغفل عنها كثيرون، أنّ بناء العقول التي تتقن هذه الصناعة أبقى أثراً من شراء الأجهزة ذاتها؛ فالرقائق تَبلى وتتقادم في سنواتٍ معدودة، أمّا الكفاءات الوطنية القادرة على تصميمها وتطويرها فتظلّ رأس مالٍ متجدّد لا ينضب. ومن ثَمّ فإنّ الاستثمار في التعليم التقني المتقدّم وفي مراكز البحث الرصينة ليس ترفاً يُؤجَّل إلى ما بعد بناء البنية التحتية، بل هو أساسها الذي بدونه تتحوّل أضخم المنشآت إلى هياكلَ مستوردةٍ يديرها الغرباء ويملكون مفاتيحها.

ولا يفوتنا، ونحن نخطّ هذه الخاتمة، أن ننبّه إلى وهمٍ شائعٍ يخلط بين التقدّم والغاية؛ فكثيرون يحسبون أنّ مجرّد امتلاك تقنيةٍ أقوى هو في ذاته انتصارٌ يُحتفى به، وينسون أنّ الأداة لا قيمة لها إلا بثمرتها في حياة الناس. يرى الكاتب أنّ الحضارات لا تُقاس بما تصنع من آلاتٍ بل بما تصنعه تلك الآلات من بشر؛ فإن جعلتنا أرقّ وأعدل وأقدر على رعاية الضعيف فقد بلغت غايتها، وإن جعلتنا أكثر عزلةً وأشدّ تكاسلاً وأقلّ شفقةً فقد انقلبت علينا وإن بدت في ظاهرها نِعمة. وقد ذكّرت تقاريرُ المنتدى الاقتصادي العالمي مراراً بأنّ القيمة الحقيقية لهذه الثورة لن تُقاس بمؤشّرات الإنتاجية وحدها، بل بمدى عدالة توزيع منافعها وصون كرامة من تمسّهم. فلتكن البوصلة دائماً هي الإنسان: لا الإنسان المتوسّط ولا الإنسان القويّ وحده، بل أضعفنا وأكثرنا حاجةً وأبعدنا عن موائد التقنية، فبه تُقاس رحمة العصر، لا بأذكى نماذجه.

وفي الأفق تلوح تحوّلاتٌ قد تقلب الطاولة برمّتها. فأبحاثٌ متقدّمة في الحوسبة العصبية المستوحاة من بنية الدماغ، وفي الحوسبة الضوئية التي تستبدل الإلكترونات بالفوتونات، وفي الحوسبة الكمّية التي تَعِد بقفزاتٍ تتجاوز حدود السيليكون التقليدي، كلّها تحمل وعداً بإعادة كتابة قواعد اللعبة من جديد. ويرى الكاتب أنّ من الخطأ الفادح أن نظنّ أنّ معادلة القوة الحالية ستدوم؛ فالتاريخ التقني سجلٌّ من العروش المتداعية والقمم المستحدَثة، وكلّ احتكارٍ بدا أبدياً انكسر حين جاءت الموجة التالية من حيث لا يحتسب أصحابه. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل كلّ من يرنو إلى موقعٍ في هذا المستقبل ليس كيف نلحق بمن سبقونا في الموجة الحالية، بل كيف نضع أقدامنا في موضع الموجة القادمة قبل أن تتشكّل. فالمعركة الصامتة على الرقائق لم تُحسم بعد، ومن يقرأ خريطتها بعمقٍ اليوم قد يجد في تعقيدها لا عائقاً يحبطه، بل فرصةً نادرة تُعيد توزيع الأوراق على طاولةٍ ظنّ كثيرون أنّ مقاعدها قد حُجزت كلّها. فهل نقرأ المعركة بوصفها قدراً مفروضاً علينا، أم بوصفها باباً ما زال موارباً لمن يجرؤ على الدخول؟