شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

رأس المال البشري في عصر الذكاء الاصطناعي

حين يُكرّرُ على مسامعِنا، صباحَ مساء، أنّ الآلةَ ستُغني المؤسّساتِ عن الإنسان، يغيبُ عن البال سؤالٌ بسيطٌ ومحرج: إن كان الذكاءُ الاصطناعيُّ سلعةً تشتريها أيُّ شركةٍ بالتكلفةِ نفسِها، فبأيِّ شيءٍ ستتفوّقُ شركةٌ على منافستِها؟ المفارقةُ أنّ تعميمَ الأداةِ يُلغي ميزتَها التنافسية؛ فحين يمتلكُ الجميعُ المحرّكَ نفسَه، يعودُ الفارقُ كلُّه إلى يدِ السائق. وهكذا، بقدرِ ما يبدو الذكاءُ الاصطناعيُّ تهديداً لرأسِ المالِ البشري، فإنّه — حين نُدقّقُ النظر — يرفعُ من قيمتِه إلى ذروةٍ لم يبلغها من قبل. فالعنصرُ الذي يصعبُ نسخُه، والذي يصنعُ الفارقَ بين مؤسّسةٍ تزدهرُ وأخرى تذبل، هو بالضبط ما ظنّناه مهدَّداً: الإنسان.

لنعُدْ قليلاً إلى الجذورِ النظرية كي نفهمَ حاضرَنا. مصطلحُ "رأسِ المالِ البشري" ليس استعارةً بلاغية، بل مفهومٌ اقتصاديٌّ صارمٌ بلوره الاقتصاديُّ غاري بيكر من جامعةِ شيكاغو في ستينياتِ القرنِ الماضي، حين برهنَ على أنّ ما يُنفَقُ على التعليمِ والتدريبِ والصحّةِ ليس استهلاكاً بل استثماراً يُدِرُّ عائداً قابلاً للقياس، تماماً كالاستثمارِ في الآلاتِ والمصانع. وقد نال بيكر جائزةَ نوبل تقديراً لهذا التحوّلِ في النظر إلى الإنسانِ بوصفِه أصلاً رأسمالياً لا مجرّدَ كلفةٍ تشغيلية. غير أنّ المفارقةَ التي يكشفُها عصرُ الذكاءِ الاصطناعيِّ أنّ هذا الأصلَ، خلافاً للآلة، يزدادُ قيمةً بالاستعمال لا يتآكلُ به؛ فالخبرةُ تتراكم، والحكمةُ تنضج، والشبكةُ من العلاقاتِ تتّسع، في حين أنّ كلَّ معدّةٍ ماديةٍ تسيرُ حتماً نحو التقادمِ والإهلاك.

والحقُّ أنّ السرديةَ السائدةَ عن "إحلالِ الآلةِ محلَّ الإنسان" تقومُ على خطأٍ منهجيٍّ في فهمِ طبيعةِ العمل. فالوظيفةُ ليست كتلةً صمّاء، بل حزمةٌ من المهام؛ وحين تُؤتمَتُ بعضُها لا تختفي الوظيفةُ بالضرورة، بل يُعادُ تشكيلُها حول ما يبقى عصيّاً على الأتمتة. وقد رصد المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريرِه عن مستقبلِ الوظائف أنّ التحوّلَ التقنيَّ سيُلغي ملايينَ الأدوارِ ويخلقُ في الوقتِ ذاتِه أدواراً جديدةً يفوقُ عددُها ما يزول، وأنّ غالبيةَ المهاراتِ المطلوبةِ خلالَ السنواتِ القادمةِ ستشهدُ تحوّلاً جوهرياً يفرضُ على القوى العاملةِ إعادةَ تأهيلٍ واسعة. أي أنّ السؤالَ الحقيقيَّ ليس "هل يبقى للإنسانِ عمل؟" بل "أيُّ طبقةٍ من العملِ سينتقلُ إليها، وكم سيطولُ الجسرُ بين الضفّتَين؟".

وثمّةَ شاهدٌ تاريخيٌّ يستحقُّ التأمّل قبل أن نمضي. فقد توقّع كثيرون، حين انتشرت آلاتُ الصرّافِ الآليِّ، أن تمحو وظيفةَ الصرّافِ البشريّ محواً تاماً؛ غير أنّ الواقعَ — كما وثّقه الاقتصاديُّ جيمس بيسن في دراساتِه عن أتمتةِ العملِ المصرفيِّ — جاء معاكساً لتلك النبوءة. فقد تراجعت كلفةُ تشغيلِ الفرعِ الواحد، فتكاثرت الفروع، ثمّ تحوّلت مهمّةُ الصرّافِ من عدِّ النقودِ إلى بناءِ العلاقةِ مع العميلِ وبيعِ الخدماتِ الأعقد. الدرسُ البليغُ أنّ الأتمتةَ تُزيحُ القيمةَ ولا تُفنيها؛ وأنّ رأسَ المالِ البشريَّ، حين يُتاحُ له أن ينتقلَ إلى الطبقةِ الأعلى، يخرجُ من التحوّلِ أغنى لا أفقر. لكنّ هذا الانتقالَ لا يحدثُ تلقائياً؛ فهو مشروطٌ بالاستثمارِ المُسبَقِ في التعليمِ وإعادةِ التأهيل، وإلا تحوّلت الإزاحةُ إلى بطالةٍ ممتدّةٍ بدل أن تكون ترقيةً في سُلّمِ القيمة.

شاطئ الجبيل وهنا تنبثقُ رؤيةٌ تخالفُ المألوف. الخطابُ الشائعُ يدعو الأفرادَ والمؤسّساتِ إلى "التكيّفِ" مع الآلة، أي إلى أن يصيروا نسخاً أكثرَ كفاءةً ممّا تُتقنُه الخوارزميةُ أصلاً بكفاءةٍ أعلى. ويرى الكاتبُ أنّ هذا انتحارٌ استراتيجيٌّ مقنّع؛ فمن ينافسُ الآلةَ على أرضِها — السرعةُ والدقّةُ ومعالجةُ الكمِّ الهائلِ من البيانات — يختارُ ساحةً يخسرُها حتماً. الحكمةُ ليست في أن نكون أسرعَ آلة، بل في أن نُعمّقَ ما يجعلُنا بشراً. لقد بيّنت دراساتٌ أجريت في كليةِ هارفارد للأعمال حول ما سُمّي "حدودَ الذكاءِ الاصطناعيِّ المسنّنة" أنّ النماذجَ تتفوّقُ تفوّقاً باهراً داخلَ حدودٍ معيّنة، لكنّها تنهارُ — وقد تُضلّلُ مستخدِميها بثقةٍ زائفة — حين تتجاوزُ تلك الحدودَ غيرَ المرئية. أي أنّ أثمنَ ما يملكُه الإنسانُ لم يعُدْ إنجازَ المهمّة، بل الحكمَ على متى يُوثَقُ بالآلةِ ومتى يُرتابُ فيها.

شاطئ الجبيل ويرى الكاتبُ أنّ القيمةَ الإنسانيةَ تنزاحُ في هذا العصرِ من "كيف نُنجز؟" إلى "ماذا يستحقُّ أن يُنجَزَ ولماذا؟". فالآلةُ بارعةٌ في توليدِ الإجابات، عاجزةٌ عن طرحِ السؤالِ الصحيح؛ لأنّ السؤالَ الجيّدَ يتطلّبُ سياقاً وقيمةً ووعياً بما يستحقُّ أن يُسأَلَ أصلاً. وحين تصيرُ الإجاباتُ سلعةً رخيصةً وفيرة، يصبحُ الاستثناءُ البشريُّ — لا المتوسّط — هو العملةَ الوحيدةَ ذاتَ القيمة. ولهذا فإنّ كلَّ من يظنُّ أنّ خلاصَه في حشوِ نفسِه بمعلوماتٍ تختزنُها الآلةُ أضعافاً مضاعفة، إنّما يستثمرُ في أصلٍ خاسر؛ بينما من يصقلُ ملكةَ السؤالِ والحكمِ والتركيبِ يستثمرُ في الأصلِ الوحيدِ الذي لا تُنتجُه أيُّ خوارزمية.

وثمّةَ بُعدٌ ثانٍ كثيراً ما يُهمَلُ في هذا النقاش: المهاراتُ الأشدُّ ندرةً اليومَ ليست تقنيةً بحتة، بل إنسانيةٌ بامتياز. فقد أشارت تحليلاتٌ صادرةٌ عن منظّمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ حول مهاراتِ المستقبلِ إلى أنّ الكفاياتِ الأعلى طلباً ستكونُ تلك العصيّةَ على الأتمتة: حلُّ المشكلاتِ المركّبة، والتفكيرُ النقديّ، والتعاطفُ، والتعاونُ، والمرونةُ المعرفية. وهي مفارقةٌ لافتة: فكلّما توغّلت الآلةُ في الميدانِ التقنيِّ ارتفعت قيمةُ ما هو إنسانيٌّ خالص. وقد بيّنت دراساتٌ حديثةٌ في الاقتصادِ السلوكيِّ أنّ ما يُسمّى "المهاراتِ الناعمة" — وهي تسميةٌ مُضلّلةٌ لأنّها أصعبُ ما يُكتسَب — صار يفسّرُ نصيباً متزايداً من فوارقِ الأجورِ والإنتاجيةِ بين العاملين. الإنسانُ، إذن، لا ينافسُ الآلةَ في ما تُحسنُه، بل يُكمّلُها بما تعجزُ عنه عجزاً بنيوياً.

ولنا أن نتأمّلَ مثالاً ملموساً يقرّبُ الفكرةَ من ميدانِ العملِ اليوميّ. تخيّلْ طبيباً صار بمقدورِه أن يستعينَ بنظامٍ ذكيٍّ يقرأُ آلافَ الصورِ الإشعاعيةِ في دقائق، ويرصدُ من الأنماطِ ما قد يفوتُ العينَ المُتعَبة. للوهلةِ الأولى يبدو أنّ دورَ الطبيبِ يتقلّص. لكنّ الحقيقةَ أنّ قيمتَه تنتقلُ من الكشفِ الآليِّ إلى الحكمِ السريريِّ الأعمق: كيف يربطُ المعطى بالقصّةِ الإنسانيةِ للمريض، وكيف يُبلّغُه الخبرَ الثقيلَ بلطفٍ ومسؤولية، ومتى يرتابُ في توصيةِ النموذجِ لأنّ سياقَ هذا المريضِ بعينِه يخرجُ عن المألوف. النظامُ ينتجُ احتمالاً إحصائياً، لكنّه لا يتحمّلُ المسؤوليةَ ولا يدركُ ما هو على المحكّ. وكذلك المهندسُ والمحاميُّ والمعلّمُ والمصرفيُّ: في كلِّ مهنةٍ تتكرّرُ القاعدةُ ذاتُها، إذ ترفعُ الآلةُ سقفَ الإنتاجِ، ويحرسُ الإنسانُ بوابةَ المعنى والمسؤولية والثقة.

ولا ينبغي أن نُغفِلَ تحذيراً يكشفُه علمُ النفسِ المعرفيِّ من خطرٍ صامت: الاعتمادُ المفرطُ على الآلةِ قد يُضمِرُ المَلَكاتِ التي لا تُمارَس. فكما ضمر إحساسُنا بالاتجاهاتِ بعد أنظمةِ الملاحةِ الرقمية، قد تضمرُ قدرتُنا على التفكيرِ النقديِّ إن أوكلناه بالكاملِ إلى النماذج. وقد نبّهت دراساتٌ حديثةٌ — منها عملٌ بحثيٌّ بمشاركةِ باحثين من مايكروسوفت — إلى أنّ الثقةَ العاليةَ في مخرجاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ قد تقترنُ بتراجعٍ في الجهدِ المعرفيِّ النقديِّ لدى المستخدِم. الدرسُ هنا ليس مقاطعةَ الأداة، بل المحافظةُ على رأسِ المالِ البشريِّ نشطاً بالتمرينِ المستمرّ؛ فالأصلُ الذي لا يُستعمَلُ يضمر، والعقلُ الذي يُعفى من الجهدِ يفقدُ تدريجياً قدرتَه على بذلِه حين تشتدُّ الحاجة.

وهنا يحسُنُ أن نُميّزَ بين ضربَين من رأسِ المالِ البشري كثيراً ما يُخلَطُ بينهما. هناك الرأسُ المالُ القابلُ للترميز، أي المعرفةُ التي يمكنُ تدوينُها في كتابٍ أو خوارزمية، وهذا بالضبط ما تبتلعُه النماذجُ وتعيدُ إنتاجَه بكلفةٍ زهيدة. وهناك الرأسُ المالُ الضمنيُّ، أي ما يعرفُه الخبيرُ ولا يستطيعُ التعبيرَ عنه كاملاً: الحدسُ المصقولُ بآلافِ التجارب، والإحساسُ بالتوقيتِ الصحيح، والقدرةُ على قراءةِ ما لم يُقَلْ في غرفةِ التفاوض. ويرى الكاتبُ أنّ المأساةَ التعليميةَ الكبرى أنّنا ما زلنا نستثمرُ القسطَ الأكبرَ من جهدِنا في تنميةِ النوعِ الأوّل — وهو الأقلُّ قيمةً اليومَ لأنّ الآلةَ تنازعُنا فيه — بينما نُهمِلُ النوعَ الثاني، وهو الذي يصنعُ التميّزَ الحقيقيَّ ولا تطالُه الأتمتة. إنّ إعادةَ توجيهِ الاستثمارِ نحو المعرفةِ الضمنيةِ والحكمةِ التطبيقيةِ هي جوهرُ ما يعنيه الاستثمارُ الذكيُّ في الإنسان.

ولأنّ الكلامَ يبقى نظرياً ما لم يتحوّلْ إلى ركائزَ عملية، فإنّ على الأفرادِ والمؤسّساتِ أن يبنوا استراتيجيةً واضحةً للاستثمارِ في الإنسان. الركيزةُ الأولى: إعادةُ التأهيلِ المستمرّ، بحيث يصيرُ التعلّمُ عادةً مدى الحياةِ لا حدثاً يقعُ مرّةً في الشباب. الركيزةُ الثانية: التركيزُ على المهاراتِ المتعالية على الأتمتة — الحكمُ، والإبداعُ، والقيادةُ، والذكاءُ العاطفيُّ — بدل التنافسِ مع الآلةِ في الحفظِ والحساب. الركيزةُ الثالثة: تصميمُ التكاملِ بوعي، أي توزيعُ الأدوارِ بحيث تتولّى الآلةُ ما تُحسنُه ويتفرّغُ الإنسانُ لما لا يُحسنُه سواه. والركيزةُ الرابعة: حمايةُ بيئةٍ مؤسّسيةٍ تُكافئُ الفضولَ والمساءلةَ وتقبلَ المخاطرةِ المحسوبة، لأنّ رأسَ المالِ البشريِّ لا يزدهرُ إلا في مناخٍ يُقدّرُ السؤالَ بقدرِ ما يُقدّرُ الجواب.

ويتّخذُ هذا الطرحُ في السياقِ العربيِّ بُعداً مصيرياً. فالمنطقةُ تملكُ أعلى نسبةِ شبابٍ في العالم، وهي ثروةٌ بشريةٌ هائلةٌ يمكنُ أن تتحوّلَ إلى عبءٍ أو إلى محرّكِ نهضة، تبعاً لمدى الاستثمارِ في تعليمِها وتأهيلِها. وقد جعلت رؤيةُ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ ألفَين وثلاثين من تنميةِ رأسِ المالِ البشريِّ ركيزةً صريحةً، عبر برنامجٍ متكاملٍ يربطُ مخرجاتِ التعليمِ بحاجاتِ سوقٍ يتسارعُ تحوّلُه الرقميّ. وهنا يصبحُ التأكيدُ العلميُّ على أولويةِ الإنسانِ موقفاً تنموياً لا ترفاً نظرياً؛ فالأممُ التي ستُحسنُ توظيفَ الذكاءِ الاصطناعيِّ ليست بالضرورةِ التي تشتري أكثرَ الخوارزمياتِ تطوّراً، بل التي تُربّي عقولاً تعرفُ كيف تسألُ الآلةَ، وتحكمُ على جوابِها، وتوجّهُها نحو ما يستحقُّ أن يُصنَع. والمفارقةُ أنّ التقنيةَ الأغلى ثمناً تبقى رخيصةً أمام عقلٍ مدرّبٍ يُحسنُ توظيفَها، بينما تُهدَرُ أعتى الأدواتِ في يدٍ لا تعرفُ ماذا تريدُ منها.

في الختام، لعلّ أعمقَ ما يكشفُه هذا العصرُ المتوهّجُ بالذكاءِ الاصطناعيِّ أنّ السؤالَ لم يكُنْ يوماً "هل تتفوّقُ الآلةُ على الإنسان؟"، بل "كيف نُحرّرُ الإنسانَ كي يبلغَ ذروتَه حين تتولّى الآلةُ ما دونَها؟". إنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ، حين يُحسَنُ استعمالُه، لا يُلغي قيمةَ الإنسانِ بل يعيدُ اكتشافَها؛ إذ يكشفُ — بعجزِه عن محاكاةِ الفضولِ والحدسِ الأخلاقيِّ والقدرةِ على الاكتراثِ بما لا يُقاس — أنّ أثمنَ استثمارٍ على الإطلاقِ ما زال، وسيبقى، هو الإنسان. ومن يفهمُ هذا مبكراً، فرداً كان أو مؤسّسةً أو أمّة، لن يخشى أن تحلَّ الآلةُ محلَّه، بل سيجعلُها سُلّماً يرتقي به إلى حيثُ لا تستطيعُ أن تتبعَه: إلى أرضِ المعنى والقيمةِ والمسؤولية.