ماذا لو كان العملاق الذي نظنّه في مطلع شبابه قد بلغ منتصف العمر دون أن ندري، وكان كلّ ما نضيفه إليه من حجمٍ وبياناتٍ لا يفعل سوى أن يجمّل شيخوخةً قادمة لا محالة؟
يجري في أوساط التقنية حديثٌ متفائل مفاده أنّ النماذج اللغوية الكبيرة في أوّل صعودها، وأنّ ما رأيناه ليس إلا غيضاً من فيضٍ سيتضاعف عاماً بعد عام إلى ما لا نهاية. غير أنّ المؤشّرات الهادئة، تلك التي لا تصنع عناوين الصحف، تروي حكايةً مغايرة تماماً. فمنحنى التحسّن الذي كان شديد الانحدار في الأعوام الماضية بدأ، في تقدير عددٍ متزايد من الباحثين، يتسطّح ببطءٍ ملحوظ، وكأنّ كلّ قفزةٍ جديدة تكلّف أضعاف ما كلّفته سابقتها لتمنحنا أقلّ ممّا منحته. والسؤال الذي يفرض نفسه على كلّ من يتابع هذا الحقل بجدّية لم يعد متى تبلغ هذه النماذج ذروتها، بل هل تجاوزناها بالفعل ونحن ما زلنا نحتفل بمشارفها. إنّها مفارقة العصر التقني الكبرى: أن نبلغ القمّة ونحن نظنّ أنّنا لا نزال نتسلّق السفح، وأن ننفق على الخطوة الأخيرة أضعاف ما أنفقناه على المسيرة كلّها لنكتشف أنّها لم تقرّبنا من القمّة إلا قيد أنملة.
لفهم هذا المنعطف ينبغي أن نعود إلى ما صنع هذه النماذج أصلاً. فجوهر تفوّقها لم يكن اختراعاً نظرياً مذهلاً بقدر ما كان رهاناً على الحجم؛ رهاناً ملخّصه أنّ زيادة عدد المعاملات وكمّ بيانات التدريب وقدرة الحوسبة تُترجَم تلقائياً إلى ذكاءٍ أعمق. وقد رسّخ هذا الرهان ما عُرف بقوانين التوسّع، تلك العلاقات الرياضية التي وصفت كيف يتحسّن أداء النموذج بازدياد موارده وَفق نمطٍ يمكن التنبّؤ به. لكنّ هذه القوانين نفسها، كما يلفت باحثون من جامعة ستانفورد في تقريرهم السنوي لمؤشّر الذكاء الاصطناعي، تحمل في طيّاتها بذرة نهايتها؛ فهي علاقاتٌ لوغاريتمية بطبيعتها، أي إنّ كلّ مكسبٍ إضافي يتطلّب موارد متزايدة بشكلٍ أُسّي. بمعنى آخر، لكي نحصل على تحسّنٍ ثابت في الجودة، علينا أن نضاعف الكلفة مراراً وتكراراً، حتى نبلغ نقطةً تصبح فيها المضاعفة التالية مستحيلةً اقتصادياً وفيزيائياً معاً. هنا تحديداً يكمن سرّ التسطّح: لا لأنّ الفكرة نفدت، بل لأنّ ثمنها تجاوز قدرتنا على دفعه. ولا يقتصر هذا الثمن على المال وحده، بل يمتدّ إلى الطاقة والماء والبنية التحتية؛ إذ صارت مراكز التدريب تستهلك من الكهرباء ما يضاهي استهلاك مدنٍ بأكملها، وهو قيدٌ ماديٌّ صلبٌ لا تذلّله النيّات ولا تتجاوزه الطموحات.
وهنا يبرز بُعدٌ كثيراً ما يُغفَل في النقاش العام، وهو أنّ القيد الأعمق ليس حاسوبياً بل غذائياً، إن صحّ التعبير. فهذه النماذج تتغذّى على النصّ البشري، وقد التهمت بالفعل القدر الأعظم ممّا أنتجته البشرية ونشرته رقمياً عبر تاريخها. ويشير باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية وفي مراكز بحثيةٍ مرموقة إلى أنّنا نقترب بسرعةٍ من استنفاد مخزون البيانات النصّية عالية الجودة، وأنّ ما تبقّى إمّا متكرّرٌ أو رديء أو محميٌّ يصعب الوصول إليه. والأخطر من ذلك ظاهرةٌ بدأت تتبلور يسمّيها بعض الباحثين «انهيار النموذج»؛ إذ حين تمتلئ الشبكة بمحتوىً مولَّدٍ آلياً، وتعود النماذج الجديدة فتتدرّب عليه ظنّاً أنّه إنتاجٌ بشري، تبدأ في تعلّم نسخةٍ مشوّهة من نفسها، فتتآكل جودتها جيلاً بعد جيل كنسخةٍ تُصوَّر عن نسخة، ثمّ تُصوَّر النسخة عن النسخة، حتى تضيع الملامح الأصلية في ضبابٍ من التكرار الباهت. ويرى الكاتب أنّ هذه المعضلة وحدها كفيلةٌ بأن تضع سقفاً صلباً أمام منهج التوسّع برمّته، لأنّها تضرب المصدر الذي يستمدّ منه النموذج معناه، لا مجرّد سرعته أو حجمه. فالآلة التي تأكل من إنتاجها تشبه أفعىً تلتهم ذيلها، تظنّ أنّها تنمو وهي في حقيقة الأمر تفنى.
غير أنّ الرؤية السائدة تخطئ حين تختزل أزمة هذه النماذج في نفاد الوقود، وكأنّ المشكلة كمّيةٌ بحتة تُحَلّ بمزيدٍ من البيانات لو توافرت. وهذه القراءة، في تقدير الكاتب، سطحيةٌ ومضلّلة. فالعلّة الأعمق بنيويةٌ لا كمّية؛ إنّها تكمن في طبيعة ما تفعله هذه النماذج أساساً. فهي، في جوهرها، آلات استنباطٍ إحصائي تتنبّأ بالكلمة الأرجح تالياً استناداً إلى أنماطٍ في النصّ، لا كائناتٌ تفهم العالم الذي يصفه ذلك النصّ. ومن هنا تنبع محدوديتها الجذرية التي لا يعالجها أيّ توسّع: فهي تفتقر إلى نموذجٍ داخليٍّ للعالم، وإلى الفهم السببي الذي يميّز بين أنّ المطر يبلّل الأرض وأنّ الأرض المبلّلة لا تستدعي المطر. وقد بيّنت أبحاثٌ متعدّدة، منها ما صدر عن باحثين في جامعتي أوكسفورد وهارفارد، أنّ هذه النماذج تبقى عرضةً لما يُسمّى «الهلوسة»، أي توليد معلوماتٍ مغلوطة بثقةٍ تامّة، وأنّ هذه الظاهرة ليست عيباً عابراً يُصلَح بالتدريب، بل خاصّيةٌ متأصّلة في آليةٍ تُحاكي شكل المعرفة دون أن تمتلك جوهرها. فالنموذج لا يكذب لأنّه يجهل الحقيقة، بل لأنّه لا يملك أصلاً مفهوماً للحقيقة يميّزها من نقيضها، فهو يردّد ما يشبه الصدق دون أن يعرف ما الصدق ولا ما الكذب. وهذا الفارق بين محاكاة الفهم وامتلاكه ليس تفصيلاً فلسفياً يُتسامح فيه، بل هو الجدار الذي يصطدم به منهج التوسّع مهما تضخّم.
ولعلّ أخطر ما في هذا المأزق أنّ الصناعة، بدل أن تواجهه، تموّه عليه بسباقٍ محمومٍ نحو الأرقام. فحين تُقاس النماذج بعدد معاملاتها وبأدائها في اختباراتٍ معيارية، يغدو من السهل أن نخلط بين التحسّن الحقيقي والتضخّم الظاهري، وأن نُبهَر بنموذجٍ يتفوّق في الامتحان بينما يخفق في الحياة. وقد حذّر باحثون في مرصد العمل التابع لمنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية من مغبّة بناء سياساتٍ واقتصاداتٍ كاملة على افتراض نموٍّ خطّيٍّ لا ينقطع، بينما الواقع التقني يلوّح بمنحنىً يقترب من خطٍّ أفقي. ويرى الكاتب أنّ التحدّي الأعمق هنا ليس تقنياً بل معرفياً ونفسياً: أن نقاوم إغراء الاستقراء الساذج الذي يمدّ خطّ الأمس إلى غدٍ بلا حدود، وأن نعترف بأنّ كلّ تقنيةٍ ثوريةٍ تمرّ بطورها الذهبيّ ثمّ تبلغ نضجها، لا لتموت، بل لتفسح المجال لما هو أصلح منها. فمن يبني آماله على استمرار المعجزة بلا انقطاع يُعدّ نفسه لخيبةٍ مدوّية حين يصطدم المنحنى بسقفه. والتاريخ التقني ملأى بأمثلة هذا الوهم: كم من تقنيةٍ ظُنّ أنّ صعودها لن يتوقّف، ثمّ بلغت حدّها الطبيعي فجأةً وأفسحت الطريق لما لم يكن في الحسبان.
فإلى أين تتّجه البوصلة بعد الذروة؟ يقوم الجواب، في تقدير الكاتب، على أربع ركائز يتقاطع عندها مستقبل هذا الحقل. أولاها التحوّل من التوسّع إلى الكفاءة؛ إذ بدأ الباحثون يدركون أنّ النموذج الأصغر المدرَّب بذكاءٍ والمصمَّم بإحكامٍ قد يضاهي العملاق المتخم بل يتفوّق عليه، وهو ما يفتح باب النماذج المتخصّصة المقتصدة بدل الوحوش الكبرى الجائعة، ويعيد التنافس إلى ميدان الذكاء التصميمي بعد أن كاد ينحصر في ميدان رأس المال. والركيزة الثانية هي الأنظمة الهجينة التي تزاوج بين قدرة النماذج اللغوية على معالجة اللغة وبين أنظمةٍ رمزيةٍ تمتلك منطقاً صريحاً وقدرةً على الاستدلال السببي، فيُسَدّ بذلك العجز البنيوي الذي لا يردمه الحجم، ويجتمع للآلة ما تفرّق فيها: طلاقة اللغة وصرامة المنطق. والركيزة الثالثة هي ما يسمّيه بعض الباحثين النماذج المؤسّسة على العالم، أي أنظمةً لا تتعلّم من النصّ وحده بل من التفاعل مع بيئةٍ حسّيةٍ أو محاكاةٍ لها، فتكتسب فهماً متجذّراً في التجربة لا في الوصف وحده، فتعرف أنّ النار تحرق لأنّها خبرتها لا لأنّ النصّ قاله. والركيزة الرابعة هي بنى التعلّم الجديدة كلّيةً، تلك التي قد تتجاوز معمارية النماذج الحالية برمّتها، تماماً كما تجاوزت هذه النماذج ما سبقها من أساليب. وهذه الركائز الأربع لا تنفي ما حقّقته النماذج الحالية، بل تستثمره وتتجاوزه؛ فالذروة في عالم التقنية ليست نهاية الطريق، إنّما هي محطّةٌ يتبدّل عندها المسار لا أن يتوقّف.
ولهذا التحوّل دلالةٌ خاصّة في سياقنا العربي تستحقّ التأمّل. فبينما تتسطّح عوائد منهج التوسّع عالمياً، يلوح أمام المنطقة بابٌ نادر؛ إذ إنّ الانتقال إلى النماذج الأكفأ والأخصّ يخفض حاجز الكلفة الهائل الذي حال دون منافسة الكبار، فلا يعود التميّز حكراً على من يملك أضخم مراكز الحوسبة، بل يتاح لمن يملك أعمق فهمٍ لسياقه ولغته. ورؤية السعودية 2030، حين تجعل من توطين التقنية وبناء القدرات المعرفية ركيزةً من ركائز اقتصاد المعرفة، إنّما تدرك أنّ الموجة القادمة قد لا تكون موجة الحجم بل موجة الذكاء المصمَّم بإتقان. ويرى الكاتب أنّ المنطقة التي تستثمر اليوم في الكفاءة والتخصّص والبيانات العربية عالية الجودة، بدل أن تلهث وراء سباقٍ بلغ سقفه، قد تجد نفسها في موقعٍ متقدّم حين تنقلب موازين الحقل، فمن يستعدّ للموجة التالية خيرٌ ممّن يركب الموجة المنحسرة. فالسبق في عالم التقنية لا يكون دائماً لمن دخل أوّلاً، بل كثيراً ما يكون لمن أحسن قراءة المنعطف فاستدار قبل غيره نحو الطريق الصاعد الجديد.
ولعلّ المستقبل الذي يلوح في الأفق ليس عالماً تموت فيه النماذج اللغوية الكبيرة، بل عالماً تنزل فيه من عرش المركز إلى موقع المكوّن؛ فتصير جزءاً من منظومةٍ أوسع وأذكى لا الغاية كلّها. والمنتدى الاقتصادي العالمي، في تقاريره عن مستقبل التقنية، يلمّح إلى أنّ موجات الابتكار الكبرى نادراً ما تستمرّ على وتيرةٍ واحدة، بل تتتابع كالأمواج، تبلغ كلٌّ منها ذروتها ثمّ تمهّد لما بعدها. فالعام الذي نقف على عتبته قد لا يكون عام انكسار الحلم، بل عام نضجه؛ اللحظة التي نكفّ فيها عن السؤال كم نضيف من الحجم، ونبدأ السؤال الأصعب والأجدى: كيف نصنع فهماً حقيقياً لا مجرّد محاكاةٍ بارعة له. والسؤال الذي يبقى معلّقاً في وجه كلّ من يتأمّل هذا المنعطف: هل نملك الشجاعة لنعترف بأنّ القمّة التي نحتفل بالصعود إليها قد تكون آخر القمم في هذا الطريق، وأنّ الطريق الأصدق يبدأ من حيث ينتهي هذا، لا من حيث نظنّ أنّه يمتدّ بلا نهاية؟