شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

حوسبة الكم والذكاء الاصطناعي

ماذا لو أنّ أعظم ما بناه الذكاء الاصطناعي حتى اللحظة ليس سوى نسخةٍ بدائيةٍ مكبّلةٍ بقيدٍ لم ننتبه إليه؛ قيدُ أنّ كلّ حاسوبٍ صنعناه منذ فجر العصر الرقمي يفكّر بصفرٍ وواحدٍ لا ثالث لهما، بينما الكون ذاته الذي نطمح إلى محاكاته لا يكترث لهذه الثنائية الفجّة، بل ينسج خيوطه على نحوٍ أكثر مراوغةً وثراءً بما لا يقاس؟ إنّ المفارقة التي تستحقّ التأمّل أنّنا نطلب من آلاتٍ تنطق بلغةٍ ثنائيةٍ بسيطة أن تفهم واقعاً كميّاً معقّداً يأبى الاختزال، فكأنّنا نطالب من يجيد العزف على وترٍ واحدٍ بأن يؤدّي سيمفونيةً كاملة. وهنا تحديداً يولد السؤال الذي تدور حوله هذه السطور: ماذا يحدث حين يلتقي الذكاء الاصطناعي، الذي بلغ سقف ما تتيحه الحوسبة التقليدية، بحوسبةٍ من طرازٍ مختلفٍ جذرياً تستعير قوانينها من ميكانيكا الكمّ ذاتها؟

لنفهم جسامة هذا اللقاء، علينا أن ندرك أوّلاً أنّ الحاسوب الذي نعرفه كلّه، من هاتفك الذكيّ إلى أضخم مراكز البيانات، يقوم على وحدةٍ واحدةٍ صمّاء هي «البت» التي لا تعرف إلّا حالتين. أمّا الحوسبة الكميّة فتستبدل بهذا البت «الكيوبت»، وهو كيانٌ يستطيع بفضل خاصيّة التراكب أن يكون صفراً وواحداً في آنٍ معاً، لا على سبيل المجاز بل على سبيل الحقيقة الفيزيائية. وحين تتشابك مجموعةٌ من الكيوبتات فيما يُعرف بالتشابك الكمّي، يصبح بمقدور النظام أن يستكشف عدداً هائلاً من الاحتمالات على التوازي، بحيث ينمو فضاء الحساب أُسّياً مع كلّ كيوبتٍ يُضاف. وقد أوضحت أبحاثٌ صادرةٌ عن معهد ماساتشوستس للتقنية أنّ هذه الخاصيّة تجعل بعض المسائل التي تستعصي على أعتى الحواسيب الفائقة لقرونٍ قابلةً للحلّ في غضون ساعاتٍ أو دقائق، شريطة أن تكون من نوعٍ بعينه يلائم بنية الخوارزميّة الكميّة. والطريف في الأمر أنّ هذا الحلم ليس وليد العقد الأخير؛ فحين اقترح الفيزيائيّ ريتشارد فاينمان مطلع الثمانينيّات أنّ محاكاة الطبيعة تتطلّب حاسوباً يعمل بقوانينها الكميّة، كان يضع حجر الأساس لثورةٍ تنضج اليوم على أيدينا.

ولكنّ السؤال الذي يلحّ هنا: ما علاقة هذا كلّه بالذكاء الاصطناعي؟ العلاقة أعمق ممّا يبدو لأوّل وهلة. فالذكاء الاصطناعي في جوهره ليس سوى عملياتٍ رياضيةٍ ضخمةٍ على مصفوفاتٍ من الأرقام؛ تدريب نموذجٍ لغويٍّ كبير لا يعدو كونه بحثاً مضنياً في فضاءٍ هائل الأبعاد عن أفضل القيم التي تقلّل الخطأ. وهذا البحث، الذي يستنزف اليوم طاقةً كهربائيةً تعادل استهلاك مدنٍ بأكملها، هو بالضبط نوع المسائل التي وُلدت الحوسبة الكميّة لتذلّلها. يرى الكاتب أنّ المقاربة السائدة التي تتعامل مع التقنيتين باعتبارهما مسارين متوازيين لا يلتقيان مقاربةٌ قاصرة؛ فالأصحّ أن نراهما زوجاً متكاملاً، إذ يقدّم الذكاء الاصطناعي «العقل» الذي يتعلّم ويعمّم، بينما تقدّم الحوسبة الكميّة «الفضاء» الذي يتّسع لما عجز عنه السيليكون التقليدي. وقد لفتت دراساتٌ من جامعة ستانفورد إلى أنّ خوارزميّات التعلّم الآليّ الكميّة قد تختصر أزمنة التدريب وتكشف أنماطاً في البيانات تظلّ خفيّةً عن النماذج التقليدية مهما اتّسعت.

غير أنّ الصورة ليست وردّيةً بإطلاق، وهنا يكمن البُعد الذي يغفل عنه كثيرٌ من المتحمّسين. فالكيوبتات كائناتٌ هشّةٌ إلى حدٍّ مذهل؛ يكفي اهتزازٌ حراريٌّ طفيف أو موجةٌ كهرومغناطيسيةٌ عابرة لتنهار حالتها الكميّة فيما يُعرف بفقدان التماسك، فتتبخّر الميزة كلّها في أجزاءٍ من الثانية. ولهذا تُحفظ هذه الآلات في برّاداتٍ تقترب حرارتها من الصفر المطلق، أبردَ من أعماق الفضاء السحيق. ويرى الكاتب أنّ التحدّي الحقيقيّ أمام هذا الزواج ليس في إثبات الإمكان النظري، فذلك بات شبه محسوم، بل في تجاوز ما يسمّيه الباحثون «معضلة التصحيح الكميّ للأخطاء»، إذ يتطلّب كيوبتٌ واحدٌ موثوقٌ منطقيّاً مئاتٍ بل آلافاً من الكيوبتات الفيزيائية لحمايته من الضوضاء. وقد نبّه تقريرٌ صادرٌ عن المنتدى الاقتصاديّ العالميّ إلى أنّ القفزة من الحواسيب الكميّة التجريبية الحالية إلى آلاتٍ ذات نفعٍ تجاريٍّ واسع قد تستغرق سنواتٍ، وأنّ المبالغة في التبشير قد تولّد خيبةً تُشبه «الشتاءات» التي عرفها الذكاء الاصطناعي في عقوده الأولى.

شاطئ الجبيل وثمّة بُعدٌ آخر أشدّ خطورةً، وهو ما يربط الزواج الكميّ بالأمن الرقميّ لكوكبٍ بأكمله. فالتشفير الذي يحمي حساباتك المصرفية ورسائلك الخاصّة وأسرار الدول قائمٌ على افتراضٍ بسيط: أنّ تحليل الأعداد الكبيرة إلى عواملها الأوّليّة مهمّةٌ تستحيل عملياً على الحواسيب التقليدية. لكنّ خوارزميّةً كميّةً اكتشفها العالم بيتر شور عام ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وتسعين قادرةٌ نظرياً على تفكيك هذا التشفير في زمنٍ معقول، الأمر الذي دفع منظّماتٍ دوليّةً كمنظّمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية إلى التحذير من «يوم الحساب الكميّ» حين تصبح أنظمة التشفير الراهنة عاريةً أمام آلةٍ كميّةٍ ناضجة. والمفارقة الجميلة أنّ الذكاء الاصطناعي نفسه يُستدعى اليوم لتصميم خوارزميّات تشفيرٍ مقاومةٍ للكمّ، فيصبح طرفاً في معركةٍ يحاول فيها أن يحمينا من قرينه الكميّ. ولعلّ هذا التداخل المعقّد بين التهديد والحماية هو خير دليلٍ على أنّ التقنيتين لم تعودا ترفاً بحثياً، بل ساحة صراعٍ جيوسياسيٍّ تتسابق عليه الدول الكبرى. ويزداد المشهد تعقيداً حين ندرك أنّ من يمتلك أوّلاً حاسوباً كميّاً قادراً على كسر التشفير سيحوز أداةً قادرةً على قراءة أرشيفٍ هائلٍ من الرسائل المشفّرة التي اعتُرضت وخُزّنت اليوم على أمل فكّها غداً، فيما يسمّيه الخبراء استراتيجية «احصد الآن وافكُك لاحقاً». هنا لا يعود التهديد مستقبليّاً محضاً، بل هو حاضرٌ في كلّ بايتٍ يُرسل عبر الشبكة في هذه اللحظة، إذ تُجمع البيانات بانتظار اليوم الذي تتحوّل فيه استحالة الأمس إلى يُسر الغد.

شاطئ الجبيل وإذا انتقلنا من ساحة التهديد إلى ساحة الوعد، فإنّ أكثر ما يثير الخيال هو ما يمكن أن يصنعه هذا الزواج في ميادين العلم التطبيقيّ. تخيّل نموذج ذكاءٍ اصطناعيٍّ مدعوماً بحاسوبٍ كميٍّ يحاكي سلوك الجزيئات على مستواها الذرّي بدقّةٍ كاملة؛ عندئذٍ يصبح اكتشاف دواءٍ جديدٍ أو تصميم مادّةٍ فائقة التوصيل عند درجة حرارة الغرفة مسألة أشهرٍ بدل عقود. وقد رصدت أبحاثٌ من جامعة أوكسفورد أنّ أكبر العقبات أمام علم المواد والكيمياء الحاسوبية اليوم ليست نقص الأفكار بل عجز الحواسيب الحالية عن محاكاة التفاعلات الكميّة بأمانة، وهو عجزٌ تعد الحوسبة الكميّة بتجاوزه. يرى الكاتب أنّ هذا الميدان تحديداً، لا النماذج اللغوية ولا الصور المولّدة، هو حيث سيظهر الأثر الأعمق للزواج الكميّ؛ فبينما يتنافس الناس على روبوتات المحادثة، ستُعيد كتابة قوانين الطبّ والطاقة والزراعة بصمتٍ لا يلتفت إليه إلّا المتخصّصون.

ولأنّ هذا السباق صار رهاناً سياديّاً قبل أن يكون أكاديميّاً، فإنّ موقع العالم العربيّ منه ليس تفصيلاً هامشيّاً. وقد أدركت رؤية السعودية ألفين وثلاثين مبكّراً أنّ التحوّل الرقميّ والاستثمار في التقنيات الناشئة ركيزةٌ لا غنى عنها لبناء اقتصادٍ معرفيٍّ مستدام، وما إنشاء المراكز الوطنية المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي وبناء البنى التحتية الحاسوبية الضخمة إلّا تمهيدٌ للحظةٍ ينضج فيها الزواج الكميّ. ويرى الكاتب أنّ الفرصة العربية هنا استثنائية؛ إذ لم تتشكّل بعدُ احتكاراتٌ راسخةٌ في الحوسبة الكميّة كتلك التي رسّختها الشركات الكبرى في الذكاء الاصطناعي التقليديّ، ممّا يتيح للداخل المبكر مقعداً على طاولة من يصوغون القواعد لا من يستهلكونها. غير أنّ ذلك يقتضي رهاناً مزدوجاً: على العقول قبل الآلات، وعلى البحث الأساسيّ قبل التطبيقات السريعة، فمن يكتفي بشراء الأجهزة دون امتلاك المعرفة التي تنتجها يبقى مستأجراً في بيتٍ لا يملك مفتاحه.

وثمّة ركائز عملية يقتضيها الاستعداد لهذا الزواج لمن أراد ألّا يفوته القطار. أوّلها بناء كفاءاتٍ بشريّةٍ تتقن لغة التقنيتين معاً، فالفيزيائيّ الذي لا يفهم التعلّم الآليّ، وعالم الحاسوب الذي يجهل ميكانيكا الكمّ، كلاهما نصف مهندسٍ في عالمٍ يطلب التكامل. وثانيها الاستثمار في الخوارزميّات الكميّة الهجينة التي تجمع بين معالجٍ تقليديٍّ وآخر كميٍّ، إذ يجمع الواقعيّون على أنّ المرحلة القادمة لن تكون كميّةً خالصة بل مزيجاً ذكيّاً يوزّع المهامّ بين النوعين. وثالثها التحوّط الأمنيّ المبكّر بتبنّي معايير التشفير المقاوم للكمّ قبل أن يداهمنا «يوم الحساب»، فالاستعداد للعاصفة وهي بعيدةٌ أهون من مواجهتها وقد حلّت. ورابعها، وهو الأهمّ، تنمية ثقافةٍ مجتمعيّةٍ لا تنبهر بالمصطلحات البرّاقة ولا ترتعب منها، بل تفهم ما الذي يجري حقّاً خلف هذه الكلمات الغامضة. وخامسها إقامة شراكاتٍ بحثيّةٍ عابرةٍ للحدود مع المختبرات الرائدة، فالحوسبة الكميّة بطبيعتها علمٌ مكلفٌ لا تنهض به مؤسّسةٌ واحدةٌ بمعزلٍ عن غيرها، والعزلة في هذا الميدان وصفةٌ مؤكّدةٌ للتخلّف. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما يمكن أن يقع فيه صانع القرار هو أن يتعامل مع الحوسبة الكميّة كمشروع شراءٍ لأجهزةٍ باهظة، بينما هي في حقيقتها مشروع بناء عقولٍ ومؤسّساتٍ ومنظومةٍ بحثيّةٍ متكاملة تثمر على مدى عقدٍ كامل، لا في موسمٍ عابر.

وفي خاتمة المطاف، يبدو أنّ ما نشهده ليس مجرّد تطوّرٍ كمّيٍّ في سرعة الحواسيب، بل تحوّلٌ نوعيٌّ في طبيعة ما تستطيع الآلة أن تفكّر فيه أصلاً. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد علّمنا أنّ الآلة تستطيع أن تتعلّم، فإنّ الحوسبة الكميّة تَعِدُنا بأنّها قد تتعلّم بطريقةٍ لا يستطيع عقلٌ بشريٌّ أن يتخيّلها، لأنّها ستفكّر بمنطق الكون الكميّ ذاته الذي لم نألفه. وهنا يبرز السؤال الأخلاقيّ الذي لا مفرّ منه: حين نمنح آلاتنا قدرةً تتجاوز حدود إدراكنا، هل سنبقى قادرين على فهم ما تقرّره؟ يرى الكاتب أنّ التحدّي القادم ليس في بناء حاسوبٍ كميٍّ أقوى أو ذكاءٍ اصطناعيٍّ أذكى، بل في بناء حكمةٍ إنسانيّةٍ توازي هذه القوة المتصاعدة، حكمةٍ تعرف متى تطلق العنان ومتى تشدّ اللجام. فالتاريخ علّمنا أنّ كلّ قفزةٍ تقنيّةٍ كبرى أعادت كتابة قوانين اللعبة، لكنّها تركت دائماً سؤالاً واحداً معلّقاً: من يكتب قوانين من يكتبون القوانين؟ ولعلّ هذا الزواج بين الكمّ والذكاء، حين ينضج، لن يجيب عن هذا السؤال بقدر ما سيجعله أكثر إلحاحاً من أيّ وقتٍ مضى. فهل نحن مستعدّون لعالمٍ تفكّر فيه آلاتنا بمنطقٍ أعمق من منطقنا، ونحن ما زلنا نتعثّر في فهم منطقنا نحن؟