ماذا لو أنّ السؤالَ "متى ستحلُّ الروبوتاتُ الشبيهةُ بالبشر محلَّنا في العمل؟" هو في جوهره سؤالٌ مغلوط، يخفي وراءه افتراضاً لم يثبت أحدٌ صحّتَه قطّ؟ نحن ننظرُ إلى الآلةِ ذاتِ الساقَين والذراعَين كأنّها نسخةٌ معدنيّةٌ منّا، تتقدّمُ لتزاحمَنا على المقعدِ ذاته، بينما الحقيقةُ الأكثرُ إزعاجاً، والأكثرُ تحرّراً في آنٍ، هي أنّ هذه الكائناتِ لا تشبهنا إلّا في الهيكلِ الخارجيّ، أمّا في طريقةِ إدراكِها للعالمِ وتعاملِها معه فهي غريبةٌ عنّا غرابةَ الكائنِ القادمِ من كوكبٍ آخر. ومن هنا يبدأُ سوءُ الفهمِ الكبير الذي يحكمُ نقاشَنا حول رفقاءِ العملِ الميكانيكيّين المنتظرين في عام 2029.
لنعُدْ قليلاً إلى الجذور كي نفهمَ أين نقفُ اليوم. ظلّت الروبوتاتُ ذاتُ الشكلِ البشريّ، طوال عقود، حلماً عالقاً في فجوةٍ موجعة عرفها الباحثون باسم "وادي الغرابة"، تلك المنطقةُ التي يصبحُ فيها الشبيهُ بالإنسانِ مزعجاً تماماً لأنّه شبيهٌ ولكنّه ليس كذلك. غير أنّ ما حدث في النصفِ الثاني من العقدِ الحالي لم يكن تطوّراً في الشكلِ بقدرِ ما كان ثورةً في الدماغ. فالقفزةُ الحقيقيّةُ لم تأتِ من سواعدَ أكثرَ مرونةً أو مفاصلَ أدقّ، بل من تزاوجِ نماذجِ الذكاءِ الاصطناعيّ الكبيرةِ مع الأجسامِ الفيزيائيّة، وهو ما بات يُعرَفُ في أدبيّاتِ البحثِ بالذكاءِ المتجسّد. لقد كان الروبوتُ القديمُ ذراعاً صمّاء تكرّرُ حركةً واحدةً ملايينَ المرّات في مصنعِ سيّارات؛ أمّا الروبوتُ الناشئُ فهو جسدٌ يتعلّمُ من المشاهدةِ والتجربة، يستوعبُ تعليماتٍ منطوقةً بلغةٍ طبيعيّة، ويُعمّمُ ما تعلّمه في مهمّةٍ على مهمّةٍ لم يرَها من قبل.
هنا يجبُ أن نتوقّفَ عند مفارقةٍ صاغها الباحثون منذ ثمانينيّات القرنِ الماضي وما زالت تحكمُ الميدان، وهي ما يُسمّى مفارقةَ مورافيك. خلاصتُها أنّ ما يسهلُ على الإنسانِ يصعبُ على الآلة، والعكسُ صحيح. فحلُّ معادلةٍ تفاضليّةٍ معقّدةٍ مهمّةٌ تافهةٌ للحاسوب، بينما طيُّ منشفةٍ أو الإمساكُ بكوبٍ زجاجيّ دون أن يتحطّم يظلّ من أعقدِ التحدّيات الهندسيّة. وهذه المفارقةُ تفسّرُ لماذا تأخّر الروبوتُ الجسديّ عقوداً خلف الذكاءِ الاصطناعيّ النصّيّ. غير أنّ ما يجري الآن هو محاولةٌ منهجيّةٌ لسدّ هذه الفجوة عبر تدريبِ النماذجِ على كمياتٍ هائلةٍ من بياناتِ الحركةِ والملمس، لا على النصوصِ وحدها.
ويرى الكاتبُ أنّ الخطأَ الجوهريَّ في تصوّرِنا الشائع هو اختزالُ هذه الروبوتات في وظيفةِ "البديل"؛ فالحديثُ السائدُ يدورُ دائماً حول كم وظيفةٍ ستختفي، وكأنّ كلَّ روبوتٍ يدخلُ مصنعاً أو مستودعاً يطردُ عاملاً بشريّاً بالضرورة. لكنّ هذا التصوّر يتجاهلُ طبيعةَ العملِ ذاتِها. فالعملُ ليس كتلةً ثابتةً من المهامِّ تُقسَّمُ بين بشرٍ وآلات، بل نسيجٌ يتمدّدُ ويتغيّرُ كلّما دخلته أداةٌ جديدة. وقد لاحظ باحثون في كليّةِ هارفارد للأعمالِ أنّ التقنياتِ الكبرى نادراً ما تلغي المهنَ بالجملة، بل تعيدُ تركيبَها، فتزيلُ مكوّناتٍ وتضيفُ أخرى لم تكن في الحسبان. والروبوتُ الشبيهُ بالبشرِ، حين يدخلُ خطَّ الإنتاج، لا يحلُّ محلَّ العاملِ بقدرِ ما يحوّلُ دورَه من منفّذٍ إلى مشرفٍ ومدرّبٍ ومُصحّحٍ لأخطاءِ الآلة.
ولعلّ أعمقَ ما يُغفَلُ في النقاشِ هو أنّ الميزةَ الحقيقيّةَ للشكلِ البشريّ ليست جماليّةً ولا رمزيّة، بل عمليّةٌ بحتة. فعالمُنا المبنيّ، من السلالمِ إلى المقابضِ إلى ارتفاعِ الطاولات، مصمّمٌ كلُّه على مقاسِ الجسدِ الإنسانيّ. ومن ثمّ فإنّ صناعةَ آلةٍ بهيئةِ الإنسان ليست استعراضاً تقنيّاً، بل هي أقصرُ طريقٍ لإدخالِ الأتمتةِ إلى بيئاتٍ لم تُصمَّم أصلاً للآلات. وهذا ما يجعلُ المصانعَ والمستودعات، لا المنازل، ساحةَ المعركةِ الأولى. فالبيئةُ الصناعيّةُ منضبطةٌ ومتكرّرةٌ بما يكفي لتكونَ ملعباً آمناً لروبوتٍ ما زال يتعثّر، بينما المنزلُ فوضويٌّ معقّدٌ لا يرحم، تتغيّرُ فيه المتغيّراتُ كلَّ لحظة.
غير أنّ الصورةَ ليست ورديّةً كما يرسمُها بائعو الحلمِ التقنيّ. فثمّةَ هوّةٌ سحيقةٌ بين العرضِ التوضيحيّ المنسّق والاعتماديّةِ الصناعيّة. إنّ روبوتاً يطوي قميصاً أمام عدساتِ الكاميرا في بيئةٍ مُحكَمةِ الإضاءة شيء، وروبوتاً يعملُ ثلاثَ ورديّاتٍ متتاليةً دون عطلٍ أو إشرافٍ بشريٍّ مكلِفٍ شيءٌ آخرُ تماماً. وقد نبّه باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنيّة مراراً إلى أنّ الفجوةَ بين القدرةِ في المختبرِ والموثوقيّةِ في الواقعِ هي العقبةُ الكأداءُ التي تُسقِطُ معظمَ التنبّؤاتِ المتفائلة. ويرى الكاتبُ أنّ عام 2029 لن يكونَ عامَ الروبوتِ في كلِّ بيت، بل عامَ الروبوتِ في عددٍ متزايدٍ من المنشآتِ المتخصّصةِ التي تتحمّلُ كلفةَ التجربةِ وتملكُ البياناتِ اللازمةَ لتدريبه.
ثمّ هناك سؤالُ الاقتصادِ الذي يحسمُ كلَّ شيء في النهاية. فالمسألةُ ليست هل تستطيعُ الآلةُ أداءَ المهمّة، بل هل تؤدّيها بكلفةٍ تنافسُ اليدَ العاملةَ البشريّة. وقد قدّر المنتدى الاقتصاديّ العالميّ أنّ التحوّلَ في سوقِ العملِ خلال هذا العقد سيكونُ تحوّلاً في تركيبةِ المهاراتِ أكثرَ منه إفناءً صافياً للوظائف، إذ تُستحدَثُ أدوارٌ بقدرِ ما تختفي أخرى. وهذا يلتقي مع ما تنبّهُ إليه تقاريرُ منظّمةِ التعاونِ الاقتصاديّ والتنميةِ من أنّ المخاطرَ الكبرى لا تقعُ على الوظائفِ بل على المهامِّ داخلَ الوظائف، وأنّ التكيّفَ عبر التدريبِ وإعادةِ التأهيلِ هو الفيصلُ بين مجتمعٍ يستثمرُ الموجةَ ومجتمعٍ تجرفُه.
ولا بدّ من وقفةٍ عند مسألةِ البياناتِ التي تُعدّ الوقودَ الخفيّ لهذه الثورة. فبينما تتوفّرُ نصوصُ الإنترنت ومقاطعُ الفيديو بكمياتٍ لا تُحصى لتدريبِ النماذجِ اللغويّة، تظلّ بياناتُ الحركةِ الجسديّةِ نادرةً وباهظة، إذ يتطلّبُ جمعُها تشغيلَ أجسامٍ حقيقيّةٍ في العالمِ الماديّ ساعاتٍ طوالاً. وهذا الشحُّ في البياناتِ هو، في تقديرِ كثيرٍ من الباحثين، العنقُ الحقيقيُّ للزجاجة. ومن هنا يتسابقُ المطوّرون على بناءِ بيئاتِ محاكاةٍ افتراضيّةٍ يتدرّبُ فيها الروبوتُ ملايينَ المرّاتِ قبل أن يلمسَ العالمَ الواقعيّ، ثمّ يُنقَلُ ما تعلّمه إلى الجسدِ الحقيقيّ فيما يُسمّى بالعبورِ من المحاكاةِ إلى الواقع. غير أنّ هذا العبورَ نفسَه محفوفٌ بالفجوات؛ فالعالمُ الافتراضيّ، مهما بلغت دقّتُه، يظلّ أنعمَ وأكثرَ انضباطاً من فوضى الواقعِ بأتربتِه واهتزازاتِه وإضاءتِه المتقلّبة.
وفي خضمِّ هذا كلِّه يبرزُ بعدٌ أخلاقيٌّ لا يقلّ إلحاحاً عن البعدِ الاقتصاديّ. فحين نمنحُ الآلةَ هيئةً بشريّةً وقدرةً على الفعلِ في الفضاءِ الماديّ، فإنّنا نفتحُ بابَ المساءلةِ على مصراعَيه. من المسؤولُ حين يخطئُ الروبوتُ فيُتلفُ ممتلكاتٍ أو يؤذي إنساناً؟ المصنّعُ أم المُشغّلُ أم مُبرمجُ النموذج؟ وقد طوّر باحثون في جامعةِ ستانفورد، ضمن مبادراتِ الذكاءِ الاصطناعيّ المتمحورِ حول الإنسان، أطراً تحاولُ ربطَ قدرةِ النظامِ بمسؤوليّةٍ واضحةٍ قابلةٍ للتتبّع. كما حذّرت دراساتٌ في جامعةِ أكسفورد من أنّ تسارعَ القدراتِ دون أطرٍ حوكميّةٍ موازية يخلقُ فراغاً تنظيميّاً خطيراً. ويرى الكاتبُ أنّ السباقَ الحقيقيَّ ليس بين الدولِ على من يصنعُ الروبوتَ الأقوى، بل بينها على من يبني المنظومةَ التشريعيّةَ والأخلاقيّةَ الأقدرَ على ترويضِ هذه القوّة.
وهنا يصبحُ السياقُ العربيُّ، والسعوديُّ خاصّةً، حاضراً بقوّة. فرؤيةُ السعوديّةِ 2030، بمشاريعها العملاقةِ كنيوم وما تطمحُ إليه من مدنٍ تُدارُ بالخوارزميّات، تمثّلُ مختبراً مثاليّاً لهذا النوعِ من الأتمتةِ المتجسّدة. والميزةُ التي تملكُها المنطقةُ ليست في اللحاقِ بركبِ التصنيع، بل في أنّها تبني بنيتَها التحتيّةَ من الصفرِ تقريباً، فتستطيعُ أن تدمجَ الروبوتاتِ في تصميمِ المنشأةِ ذاتِها بدلاً من حشرِها في بيئةٍ قديمة.
وثمّةَ بعدٌ نفسيٌّ واجتماعيٌّ نادراً ما يُمنَحُ حقَّه في النقاش. فالعملُ، بالنسبةِ للإنسان، ليس مصدرَ دخلٍ فحسب، بل منبعُ هويّةٍ وانتماءٍ وتقديرٍ للذات. وحين يدخلُ رفيقٌ ميكانيكيٌّ إلى الفريق، فإنّ التحدّيَ لا يقتصرُ على إعادةِ توزيعِ المهام، بل يمتدّ إلى إعادةِ تعريفِ موقعِ الإنسانِ من المعنى. وقد أشارت أبحاثٌ في السلوكِ التنظيميّ إلى أنّ قبولَ العاملين للأتمتةِ يتوقّفُ بدرجةٍ كبيرةٍ على شعورِهم بأنّهم شركاءُ في القرار لا ضحايا له. ويرى الكاتبُ أنّ المؤسّساتِ التي ستنجحُ في دمجِ الروبوتاتِ ليست بالضرورةِ الأكثرَ تقدّماً تقنيّاً، بل الأذكى في إدارةِ التحوّلِ الإنسانيّ المصاحبِ له، تلك التي تُشرِكُ موظّفيها في تصميمِ المستقبلِ بدلاً من فرضِه عليهم فرضاً. غير أنّ ذلك يستلزمُ استثماراً موازياً في رأسِ المالِ البشريّ، أي في الكفاءاتِ القادرةِ على تصميمِ هذه الأنظمةِ وصيانتِها والإشرافِ عليها، وإلّا تحوّلت المنطقةُ من صانعةٍ للتقنيةِ إلى مجرّدِ مستهلكٍ لها.
كيف يستعدُّ الفردُ والمؤسّسةُ لهذا الأفق؟ الركيزةُ الأولى أن نكفَّ عن التفكيرِ في المنافسةِ ونبدأَ في التفكيرِ في التكامل؛ فالقيمةُ ستتولّدُ ممّن يُحسنُ توجيهَ الروبوتِ وتدريبَه ومراجعةَ مخرجاته، لا ممّن يحاولُ مجاراتَه في السرعةِ أو الدقّة. والركيزةُ الثانية إتقانُ ما تعجزُ عنه الآلة بنيويّاً، أي الحكمُ في المواقفِ الغامضة، والتعاطفُ، والتفاوضُ، وحلُّ المشكلاتِ التي لم تُكتَب لها قواعدُ بعد. والركيزةُ الثالثة بناءُ ثقافةٍ مؤسسيّةٍ ترى في الأتمتةِ وسيلةً لإعادةِ توجيهِ الطاقةِ البشريّةِ نحو ما هو أرفعُ قيمة، لا ذريعةً للتقشّفِ في عددِ العاملين. والركيزةُ الرابعة، وربّما الأهمّ، الاستثمارُ في التعلّمِ المستمرّ، إذ إنّ نصفَ عمرِ المهارةِ يتقلّصُ بسرعةٍ مخيفة، ولم يعد التعليمُ مرحلةً تسبقُ العملَ بل صار رفيقاً دائماً له.
على أنّ ما يجبُ ألّا يغيبَ عن البالِ هو أنّ التاريخَ لا يكرّرُ نفسَه بحذافيرِه، وأنّ كلَّ موجةٍ تقنيّةٍ تحملُ معها قواعدَها الخاصّة. فقد علّمتنا الثورةُ الصناعيّةُ أنّ المكاسبَ الجماعيّةَ في الإنتاجيّةِ قد تتعايشُ مع آلامٍ فرديّةٍ حادّةٍ موزّعةٍ توزيعاً غيرَ عادل، وأنّ السياساتِ العامّةَ هي التي تحدّدُ من يجني الثمارَ ومن يدفعُ الثمن. ويرى الكاتبُ أنّ الدرسَ الأهمَّ ليس تقنيّاً بل توزيعيّاً، إذ إنّ مشروعيّةَ هذه الموجةِ كلِّها مرهونةٌ بقدرتِنا على أن نجعلَ مكاسبَها مشتركةً لا محتكَرة، وأن نحوّلَ ما تُحرّرُه الآلةُ من وقتٍ بشريّ إلى فرصةٍ للارتقاءِ لا إلى فائضٍ من العاطلين.
ختاماً، إنّ الروبوتَ الشبيهَ بالبشرِ ليس مرآةً نخشى أن نرى فيها زوالَنا، بل أداةٌ تكشفُ لنا، بصورةٍ معكوسة، ما هو إنسانيٌّ فينا حقّاً وما هو قابلٌ للأتمتة. وحين تتولّى الآلةُ المهامَّ المتكرّرةَ والمرهِقةَ والخطِرة، يُطرَحُ علينا سؤالٌ أعمقُ من سؤالِ الوظيفة، سؤالٌ عن المعنى الذي نمنحُه لعملِنا ولوقتِنا. عام 2029 لن يكونَ نهايةَ العملِ البشريّ كما يبشّرُ المتشائمون، ولا فجرَ يوتوبيا الرفاهيّةِ كما يَعِدُ المتفائلون، بل سيكونُ بدايةَ مفاوضةٍ طويلةٍ ودقيقةٍ بين الإنسانِ وصنيعتِه على حدودِ كلٍّ منهما. والسؤالُ الذي ينبغي أن يؤرّقَنا ليس أيُّ المهامِّ ستأخذها الآلة، بل أيُّ نوعٍ من البشرِ نريدُ أن نكونَ حين تتفرّغُ أيدينا وعقولُنا لما هو أبعدُ من مجرّدِ البقاء.