شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

تاريخ الذكاء الاصطناعي

في ربيع عام 1958، وقف بيرسِبترون فرانك روزنبلات أمام الصحافة، فبشّرته صحيفة نيويورك تايمز بأنه «جنين حاسوبٍ» سيمشي ويتكلّم ويرى ويكتب ويعي وجوده، فهل كان ذلك الوعد العريض نبوءةً سابقةً لأوانها، أم كان أول كذبةٍ كبرى في تاريخ حقلٍ سيتعلّم لاحقاً أن يكذب على نفسه قبل أن يكذب على الناس؟ السؤال ليس بلاغياً، فالمسافة بين ذلك الإعلان المتفائل وبين ما حدث فعلاً تختصر مأساة سبعة عقودٍ كاملة: حقلٌ ظلّ يَعِد بأكثر مما يملك، فيُكافَأ بفيضٍ من المال ثم يُعاقَب بشتاءٍ من الخذلان، في دورةٍ تكاد تكون قانوناً طبيعياً لا حادثةً عابرة.

لنعد إلى ما قبل ذلك المشهد بثماني سنوات، إلى رجلٍ بريطانيٍّ كسرت الدولة قلبه قبل أن يكسر هو حدود المعرفة. ففي عام 1950 نشر آلان تورينج في مجلة Mind ورقته التي افتتحت بسؤالٍ بدا بسيطاً «هل تستطيع الآلات أن تفكّر؟» ثم سارع إلى وصف هذا السؤال نفسه بأنه «أعجز من أن يستحقّ المناقشة»، فأزاحه جانباً واستبدل به لعبة محاكاةٍ تقيس الأثر لا الجوهر. لم يكن تورينج يبني آلة، بل كان يبني سؤالاً، وهذا في تقديري أعظم ما تركه؛ إذ علّم الحقل أن يقيس ما يستطيع قياسه ويصمت عمّا يعجز عنه. غير أنّ المأساة الإنسانية تلاحق الفكرة كظلّها: فالرجل الذي حلم بآلةٍ تفكّر مات منتحراً عام 1954 بعد إدانته بتهمةٍ لا تليق إلا بمجتمعٍ ضيّق الأفق، تاركاً حقله يتيماً قبل أن يولد رسمياً بعامين.

ثم جاءت دارتموث صيف 1956، تلك الورشة التي صكّ فيها جون مكارثي مصطلح «الذكاء الاصطناعي»، والتي يحلو للمؤرّخين أن يجعلوها نقطة الميلاد. لكنّ ما يهمّني هنا ليس التاريخ المحفوظ، بل الجرأة المفرطة التي طبعت ذلك الجيل؛ فهربرت سايمون، الحائز لاحقاً جائزة نوبل، أعلن عام 1957 أنّ الآلات ستصير قادرةً خلال عشر سنواتٍ على هزيمة بطل العالم في الشطرنج وإثبات نظريةٍ رياضيةٍ جديدة. تأخّرت نبوءة الشطرنج أربعين عاماً، وهنا يرى الكاتب أنّ الخطأ التأسيسي للحقل لم يكن في خوارزمياته بل في علاقته بالزمن؛ إذ ظنّ روّاده أنّ الذكاء مسافةٌ قصيرة تُقطع بالذكاء وحده، فاكتشفوا أنه مسافةٌ طويلة لا تُقطع إلا بالبيانات والعتاد والصبر. ولم يكن هذا الغرور صفةً شخصيةً في الروّاد، بل كان منطقاً يفرضه واقع التمويل ذاته؛ إذ تعلّم الحقل مبكراً أنّ الوعد الكبير يجلب المال الكبير، فتسابق الباحثون في تقديم نبوءاتٍ يعجزون عن الوفاء بها، ثم وجدوا أنفسهم أسرى سقفٍ من التوقّعات رفعوه بأيديهم. وهنا يكمن جذر الدورة التي ستلاحق الحقل عقوداً: فالتفاؤل المفرط ليس خطيئةً عارضة، بل آليةٌ بنيوية تتولّد من علاقة العلم بالمال.

دفع الحقل ثمن هذا الغرور مرّتين على الأقل. المرة الأولى عام 1969، حين أصدر مارفن مينسكي وسيمور بابرت كتابهما «البِرسِبترونات»، فبرهنا رياضياً على عجز الشبكة العصبية أحادية الطبقة عن حلّ مسائل بسيطةٍ كدالة «أو الحصرية». لم يكن الكتاب خطأً علمياً، بل كان دقيقاً، لكنّ أثره تجاوز محتواه، إذ قرأه الممولون حكماً بالإعدام على الشبكات العصبية برمّتها، فتجمّد التمويل عقداً كاملاً. والمرة الثانية جاءت بعد تقرير لايتهِل البريطاني عام 1973، الذي خلص إلى أنّ وعود الحقل لم تتحقّق، فجفّ الدعم في بريطانيا وامتدّ أثره إلى ضفّتي الأطلسي معاً، فيما عُرف بـ«الشتاء الأول». يرى الكاتب أنّ هذين الحدثين يكشفان حقيقةً يتجاهلها المتحمّسون اليوم: أنّ مصير التقنية لا تحسمه صحّتها العلمية وحدها، بل سرديتها أمام من يملكون المال، وأنّ كلمةً واحدةً في تقريرٍ رسميٍّ قد تجمّد بحثاً واعداً عقداً بأكمله إن صادفت لحظة شكٍّ في خزائن الدولة.

شاطئ الجبيل ثم جاء صيفٌ قصير في الثمانينيات حمل اسم «النُّظُم الخبيرة»، وهي برامج رمّزت معرفة المتخصصين في قواعد «إذا… فإذن». ازدهرت حتى إنّ شركاتٍ يابانيةً وأمريكيةً ضخّت فيها المليارات ضمن مشروع «الجيل الخامس»، وراهنت حكوماتٌ على أنها مفتاح الهيمنة الصناعية. لكنّ هذه النُّظُم كانت هشّةً كزجاجٍ مصقول؛ تتألّق داخل نطاقها الضيق وتنهار لحظة تخطو خارجه، إذ تعجز عن التعلّم وتفتقر إلى أبسط ما يُسمّى الحسّ السليم. فلمّا اصطدم الوعد بالكلفة، انهار سوق عتادها المتخصّص أواخر الثمانينيات، وحلّ «الشتاء الثاني». والمفارقة، كما يراها الكاتب، أنّ كلّ شتاءٍ كان في جوهره تطهيراً ضرورياً؛ إذ أحرق الوعود الجوفاء وأبقى البذور الصلبة، فالحقل لم ينجُ رغم شتاءاته، بل نجا بفضلها. ولعلّ هذا يفسّر مفارقةً أعمق: أنّ أكثر العقود إثماراً في تاريخ الذكاء الاصطناعي كانت أبردها مناخاً، لأنّ البرد طرد المنتفعين وأبقى المؤمنين.

شاطئ الجبيل تحت سطح هذه الدورات الصاخبة، كان تيارٌ صامتٌ يعمل بصبر النمل. ففي عام 1986 أعاد ديفيد رومِلهارت وجيفري هينتون ورونالد ويليامز إحياء خوارزمية «الانتشار العكسي»، التي علّمت الشبكة أن توزّع مسؤولية الخطأ على طبقاتها وتصحّح نفسها. لم تُحدث ضجّةً فورية، لكنها كانت اللبنة التي بُني عليها كلّ ما تلا. وفي عام 1989 برهن يان لوكون عملياً على قراءة الأرقام المكتوبة بخطّ اليد عبر شبكةٍ التفافية، فصارت تقرأ شيكات المصارف الأمريكية فعلياً. كان هؤلاء يزرعون في عزّ الشتاء، وهنا يرى الكاتب درساً أصيلاً: أنّ الانفراجات الكبرى نادراً ما تُولد في لحظات الحماس الجماعي، بل تنضج غالباً في سنوات الكساد حين يُترك الباحثون الجادّون وشأنهم بعيداً عن صخب الموضة وضغط الوعود. ولم يكن صمود هذا التيار سهلاً؛ فقد ظلّ هينتون وقلّةٌ من رفاقه يدافعون عن الشبكات العصبية في وجه إجماعٍ أكاديميٍّ كاد يعدّها بدعةً منتهية الصلاحية، تُرفض أوراقها ويُحجب تمويلها، حتى لُقّبوا بـ«المؤامرة الكندية» لتشبّثهم بفكرةٍ هجرها الجميع. لكنّ التاريخ، كعادته، أنصف الصامدين لا الصاخبين؛ فالذين رفضوا أن يبدّلوا قناعتهم تحت ضغط الموضة هم من قطفوا الثمرة حين نضجت، وهذا في تقدير الكاتب أبلغ درسٍ أخلاقيٍّ في تاريخ العلم الحديث.

ثم اجتمع الثالوث الذي كان غائباً. فالأفكار كانت موجودةً منذ عقود، لكنها انتظرت ثلاثة شروطٍ لتشتعل: بياناتٍ ضخمة، وقدرةٍ حسابيةٍ كثيفة، وخوارزمياتٍ ناضجة. جاء الشرط الأول حين أطلقت الباحثة فاي-فاي لي قاعدة ImageNet عام 2009 بملايين الصور الموسومة يدوياً، فمنحت الآلة عيوناً تتعلّم منها. وجاء الثاني من حيث لا يحتسب أحد: من المعالجات الرسومية التي صُمّمت أصلاً لألعاب الفيديو، فإذا بمعالجتها المتوازية تُحرّر الشبكات العميقة من قيد البطء، في مفارقةٍ طريفة مفادها أنّ أعتى ثورةٍ علميةٍ في زماننا قامت على ظهر عتادٍ ابتُكر ليُسلّي المراهقين. أمّا الشرط الثالث، أي نضج الخوارزميات، فكان حصيلة عقودٍ من العمل الصبور الذي وصفناه. وفي عام 2012 انفجر كلّ ذلك دفعةً واحدة، حين خفض نموذج AlexNet — على أيدي أليكس كريجيفسكي وإيليا سوتسكيفر وجيفري هينتون — معدّل خطأ تصنيف الصور في مسابقة ImageNet إلى نحو خمسة عشر بالمئة، متفوّقاً على منافسيه بفارقٍ سحق المقاييس السابقة، وفق ما رصدته مجلة IEEE Spectrum. لم تكن نتيجةً تقنيةً بحتة، بل كانت اللحظة التي عاد فيها التيار الاتصالي ليُطيح بخصمه الرمزي بعد عقودٍ من الهامش.

غير أنّ القفزة الكبرى انتظرت عام 2017، حين نشر فريقٌ من باحثي Google ورقةً يكاد عنوانها يكون فلسفةً كاملة: «الانتباه هو كلّ ما تحتاجه». قدّمت هذه الورقة معمارية «المحوّلات» التي تخلّت عن معالجة الكلمات واحدةً تلو الأخرى، واستبدلت بها معالجةً متوازيةً تزن علاقة كلّ كلمةٍ بكلّ ما سواها في آنٍ واحد. هنا يكمن في تقديري المفصل الحقيقي للثورة الراهنة؛ فالمحوّلات لم تكن مجرّد تحسينٍ في السرعة، بل كانت إطاراً قابلاً للتضخيم بلا حدودٍ تقريباً، فكلّما أُطعمته بياناتٍ وحوسبةً أكثر ازداد قدرةً بصورةٍ بدت أشبه بقانونٍ من الفيزياء منها بحادثةٍ هندسية. على هذا الأساس بنت شركة OpenAI سلسلة نماذج GPT، حتى إذا أُطلق «شات جي بي تي» أواخر عام 2022 تحوّل الذكاء الاصطناعي بين ليلةٍ وضحاها من مصطلحٍ في أوراق المختبرات إلى أداةٍ في جيب كلّ إنسان، وبلغ مئة مليون مستخدمٍ في شهرين، في انتشارٍ لم تعرف التقنية الاستهلاكية مثيلاً له من قبل.

ولأنّ السباق صار اليوم سيادياً لا أكاديمياً، تكشف الأرقام حجم التحوّل بوضوح؛ فوفق مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2025 قارب الاستثمار الخاص في هذه التقنية مئتين واثنين وخمسين مليار دولار، وأفادت نحو ثمانٍ وسبعين بالمئة من المؤسسات باستخدامها في وظيفةٍ واحدةٍ على الأقل، بينما هوت كلفة تشغيل النماذج بمراتب خلال أشهر معدودة، حتى صار ما كان حِكراً على نخبة المختبرات في متناول طالبٍ بهاتفه. ومع ذلك، تنبّه أبحاث جامعة هارفارد وكليتها للأعمال إلى أنّ القيمة الحقيقية تنشأ حين تقترن الآلة بالإنسان فتُضاعف قدرته بدل أن تحلّ محلّه، وهو ما يفسّر لماذا جعلت رؤية السعودية 2030 من الاقتصاد الرقمي ركيزةً للتحوّل؛ إدراكاً بأنّ من يكتفي باستهلاك هذه التقنية يظلّ تابعاً، ومن يصنعها بلغته وبياناته يصير شريكاً في صياغة المرآة التي تعكس وجهه هو لا وجه غيره. ولا يخفى أنّ اللغة العربية ما تزال ضعيفة الحضور في بيانات هذه النماذج، فمن لا يُغذّي الآلة بحرفه وتراثه يُسلّمها مفاتيح ثقافته لتعيد تشكيلها بمنطق غيره.

ولعلّ أصدق ما يمكن أن نختم به أنّ تاريخ هذا الحقل ليس خطّاً صاعداً، بل نبضٌ يتقلّب بين صيفٍ محمومٍ بالوعود وشتاءٍ قارسٍ بالخيبة. ويرى الكاتب أنّ أعظم خطرٍ يتهدّدنا اليوم ليس شتاءً جديداً، بل صيفٌ مفرط الحرارة قد يحرق ثقة الناس قبل أن تنضج الثمرة، كما حرقها وعد روزنبلات عام 1958. فإن أردنا تجنّب الدورة هذه المرة، فالركائز ثلاث: أن نراهن على البُنى العميقة لا على المنتجات اللامعة، وأن نقيس ما تفعله الآلة فعلاً لا ما نتمنّى أن تفعله، وأن نملك من التواضع المعرفي ما يقينا فخر الانتصار وذلّ الانكسار معاً. لقد بدأ هذا التاريخ بسؤالٍ طرحه رجلٌ وحيدٌ كسير القلب، ولم ينتهِ بعد؛ بل ربما لم نزل في فصله الأول. والسؤال الذي ورّثنا إياه تورينج لم يتغيّر في جوهره، وإنما تبدّل اتجاهه: لم نعد نسأل هل تستطيع الآلة أن تفكّر، بل صرنا نسأل هل نملك نحن من الحكمة ما يكفي لتوجيه تفكيرها قبل أن يوجّهنا؟