أيّهما أعظم خطراً على مستقبلنا المشترك: أن تظلّ المعرفة التقنية المتقدمة حبيسة مختبرات قليلة في وادي السيليكون وضفاف نهر تشارلز، أم أن يتسرّب منها فتاتٌ متناثرٌ إلى العالم النامي على هيئة منحٍ موسمية وبرامج عابرة لا تُبقي أثراً ولا تُورّث قدرة؟ المفارقة التي قلّما يجرؤ أحدٌ على مواجهتها أنّ كثيراً مما يُسمّى اليوم شراكةً بين المؤسسات التقنية الكبرى والمنظمات غير الربحية ليس جسراً يعبر عليه العلم نحو الإنسان المحتاج، بل جدارٌ مزخرفٌ يُموَّه بلغة التنمية المستدامة، ويُقاس نجاحه بعدد المؤتمرات التي عُقدت لا بعدد القدرات التي وُلدت. والكاتب هنا لا يتعجّل اتهاماً بقدر ما يدعو إلى إعادة نظرٍ في معنى نقل المعرفة ذاته، إذ إنّ الكلمة الواحدة قد تُخفي تحت بريقها واقعين متناقضين: عطاءً يُحرّر، أو هبةً تُكبّل.
لنفهم جذر المسألة، ينبغي أن نعود إلى تمييزٍ صار شبه منسيٍّ في خضمّ الحماس الرقمي: الفرق بين نقل التقنية ونقل المعرفة. فالأولى تعني إهداء أداةٍ جاهزةٍ أو نموذجٍ مدرَّبٍ مسبقاً إلى جهةٍ متلقّيةٍ تستخدمه كما هو، فيما تعني الثانية بناء القدرة المحلية على الفهم والتعديل وإعادة الإنتاج. وقد لاحظت دراساتٌ متراكمةٌ في مدرسة كنيدي للحكم بجامعة هارفارد أنّ مشاريع التنمية القائمة على تسليم الأدوات دون بناء القدرات تنهار غالباً بمجرد انسحاب الجهة المانحة، لأنّ ما زُرع كان ثمرةً معلّقةً لا شجرةً ذات جذور. ويذهب باحثون في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتقنية، ضمن ما عُرف بحركة الابتكار الشعبي، إلى أنّ التقنية لا تُحدث أثراً تنموياً حقيقياً إلا حين يمتلك المجتمع المتلقّي زمام تكييفها مع سياقه، لا مجرّد استهلاكها. وهذا التمييز ليس ترفاً نظرياً، بل هو المحكّ الذي ينبغي أن تُوزن به كل شراكةٍ تدّعي خدمة أهداف التنمية المستدامة.
غير أنّ التحليل العميق يكشف بُعداً أكثر إقلاقاً. فحين تدخل مؤسسةٌ تقنيةٌ كبرى في شراكةٍ مع منظمةٍ غير ربحيةٍ لخدمة هدفٍ تنمويٍّ كالتعليم أو الصحة أو الزراعة، فإنّ العلاقة كثيراً ما تُبنى على افتراضٍ ضمنيٍّ مفاده أنّ المعرفة تتدفّق في اتجاهٍ واحدٍ من المركز إلى الأطراف. ويرى الكاتب أنّ هذا الافتراض هو الخطيئة المنهجية الأولى، لأنّه يُلغي ما يملكه المجتمع المحلي من معرفةٍ سياقيةٍ لا تقدّر بثمن: معرفةٌ بأنماط التربة، وبعادات المرضى، وبلغة المتعلّمين، وبالبنية الاجتماعية التي ستحتضن الحلّ أو تلفظه. لقد أشار تقريرٌ صدر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ نسبةً معتبرةً من مشاريع التقنية للتنمية تفشل لا لقصورٍ في الخوارزمية بل لإهمالٍ في فهم السياق، وهو إهمالٌ تتسبّب فيه بنية الشراكة الأحادية ذاتها. والجسر الحقيقي، بهذا المعنى، ليس قناةً ينساب فيها الماء من أعلى إلى أسفل، بل ممرٌّ ذو اتجاهين تعبر عليه المعرفة التقنية ذاهبةً وتعود محمّلةً بالحكمة السياقية.
ثمّ إنّ هناك بُعداً اقتصادياً سياسياً قلّما يُذكر في الأدبيات المتفائلة. فالمؤسسة التقنية حين تقدّم نماذجها وأدواتها مجاناً أو بأسعارٍ رمزيةٍ للمنظمات غير الربحية في الجنوب العالمي، إنّما تبني في الوقت ذاته اعتماديةً طويلة الأمد على منظومتها، وتُراكم بياناتٍ ثمينةً من بيئاتٍ لم تكن لتصل إليها بغير هذا الباب الإنساني. ولا يعني هذا بالضرورة سوء نيةٍ، لكنّه يعني أنّ ما يبدو عطاءً خالصاً قد يكون استثماراً استراتيجياً مقنّعاً. وقد نبّهت أبحاثٌ في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان إلى أنّ السؤال الجوهري ليس من يملك التقنية، بل من يملك القدرة على مساءلتها وتدقيقها والتحكّم في بياناتها. ويرى الكاتب أنّ أيّ شراكةٍ لا تنصّ صراحةً على ملكية المجتمع المحلي لبياناته وعلى حقّه في فهم النماذج التي تُطبَّق عليه، تُعيد إنتاج علاقة التبعية بثوبٍ رقميٍّ جديد، مهما تزيّنت بشعارات التمكين.
لكنّ النقد وحده عقيمٌ ما لم يُفضِ إلى بناء. فما الركائز العملية التي تُحوّل الشراكة من جدارٍ مزخرفٍ إلى جسرٍ متين؟ الركيزة الأولى أن يكون بناء القدرات المحلية هدفاً صريحاً مكتوباً في صلب الاتفاقية لا حاشيةً على هامشها، بحيث يُقاس نجاح المشروع بعدد المهندسين والباحثين المحليين الذين صاروا قادرين على إدارة المنظومة وتطويرها بعد رحيل الشريك التقني، لا بعدد الأجهزة الموزّعة. والركيزة الثانية أن تُصمَّم الحلول بمنطق المصدر المفتوح حيثما أمكن، لأنّ الشفافية في الشيفرة والنماذج هي الضمانة الوحيدة ضدّ الاعتمادية القسرية، وهو منطقٌ نادت به دوائر بحثيةٌ رصينةٌ بوصفه شرطاً للعدالة المعرفية لا مجرّد خيارٍ تقنيٍّ. والركيزة الثالثة أن تُبنى الشراكة على مبدأ التصميم المشترك، بحيث يجلس ممثلو المجتمع المتلقّي على طاولة القرار منذ اللحظة الأولى لا أن يُستدعوا في مرحلة التسليم ليوقّعوا على ما لم يشاركوا في صنعه. والركيزة الرابعة أن يُرصد للمشروع تمويلٌ للاستدامة يتجاوز سنواته الأولى، إذ إنّ المعضلة المتكرّرة في تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي عن الفجوة الرقمية أنّ التمويل ينقطع قبل أن تنضج القدرة، فيُترك المجتمع في منزلةٍ بين منزلتين: تذوّق ثمرة التقنية ثمّ حُرم منها. والركيزة الخامسة، وهي الأشدّ إغفالاً، أن يُبنى في الاتفاقية نفسها بندٌ صريحٌ لانتقال الملكية، أي خطّةٌ زمنيةٌ واضحةٌ يصبح بموجبها المجتمع المحلي مالكاً للمنظومة وقادراً على إدارتها استقلالاً، فالجسر الذي لا يُسلَّم مفتاحه لأهل الضفّة الأخرى يظلّ ملكاً لمن بناه مهما طال عبورهم عليه.
وحين ننقل هذا التحليل إلى سياقنا العربي، تتّضح الفرص بقدر ما تتّضح المخاطر. فالمنطقة العربية تقف على مفترقٍ نادرٍ، إذ تملك من الموارد المالية والإرادة السياسية ما يؤهّلها لأن تكون طرفاً صانعاً للشراكة لا مجرّد متلقٍّ لها. ولعلّ رؤية المملكة العربية السعودية لعام ألفين وثلاثين تقدّم نموذجاً لافتاً في هذا الباب، إذ لم تكتفِ باستيراد التقنية بل سعت إلى توطين المعرفة عبر مؤسساتٍ بحثيةٍ وجامعاتٍ ناشئةٍ تطمح إلى الإنتاج لا الاستهلاك. ويرى الكاتب أنّ القيمة الكبرى لهذه الرؤية لا تكمن في حجم الاستثمار وحده، بل في إعادة تعريف العلاقة مع المؤسسات التقنية العالمية على أساس الندّية، بحيث تكون الشراكة تبادلاً معرفياً بين أطرافٍ تملك كلٌّ منها ما يضيفه، لا صدقةً تُمنّ بها جهةٌ على أخرى. غير أنّ هذا الطموح يظلّ مشروطاً ببناء كوادر بشريةٍ محليةٍ قادرةٍ على التلقّي النقدي، فالأموال تشتري الأدوات لكنّها لا تشتري الفهم، والفهم لا يُورَّث إلا بالاستثمار الصبور في الإنسان. وما أحوج المنطقة العربية إلى أن تنتقل من موقع المستهلك الذي ينتظر الحلّ إلى موقع المشارك الذي يصوغ الحلّ بلغته وقيمه وأولوياته.
ولا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى بُعدٍ أخلاقيٍّ أعمق. فأهداف التنمية المستدامة لم تُوضع لتكون لافتةً تُعلّق على المبادرات التقنية فتمنحها مشروعيةً أخلاقية، بل وُضعت لتكون معياراً تُحاكم به النيّات والنتائج معاً. ويرى الكاتب أنّ الخطر الأكبر ليس فشل الشراكات، بل نجاحها الظاهري الذي يخدع: مشاريع تُعلن أرقاماً باهرةً عن المستفيدين دون أن تترك خلفها بنيةً قادرةً على الاستمرار، فتُسجَّل في تقارير الأثر إنجازاً، بينما هي في حقيقتها تأجيلٌ للتبعية لا تجاوزٌ لها. ولهذا فإنّ القياس الحقيقي لأيّ جسرٍ بين التقنية والإنسان ليس في عدد العابرين عليه يوم افتتاحه، بل في قدرته على البقاء قائماً بعد رحيل من بناه، وفي قدرة أهل الضفّة الأخرى على ترميمه وتوسيعه بأيديهم.
ولا بدّ هنا من التوقّف عند مغالطةٍ شائعةٍ مفادها أنّ توفير الاتصال بالإنترنت وإهداء الأجهزة الذكية كفيلٌ وحده بردم الفجوة الرقمية. فالفجوة الحقيقية ليست في العتاد بل في المعنى، وليست في الوصول إلى الأداة بل في القدرة على فهمها وتطويعها ونقدها. وقد بيّنت دراساتٌ في كلية هارفارد للأعمال تناولت تبنّي التقنية في الأسواق الناشئة أنّ الأثر التنموي لا يرتبط طردياً بكثافة الأجهزة بل بعمق المهارات الرقمية والمؤسسية المحيطة بها. ويرى الكاتب أنّ من يكتفي بتوزيع الأدوات دون بناء المعنى إنّما يُنتج جيلاً من المستهلكين المهرة لا جيلاً من المنتجين القادرين، فيتعمّق التفاوت بدل أن يضيق، ويتحوّل سدّ الفجوة المزعوم إلى تكريسٍ لها بصورةٍ أكثر نعومةً وأشدّ مكراً.
على أنّ تصحيح المسار ممكنٌ ومتاحٌ متى توفّرت الإرادة والتصميم السليم. فثمّة نماذج رائدةٌ حول العالم نجحت حين بُنيت على شراكاتٍ ندّيةٍ راعت السياق المحلي وأشركت المجتمعات في صياغة الحلول، من مبادراتٍ صحيةٍ مكّنت كوادر محلية من تشغيل أدوات التشخيص بالذكاء الاصطناعي وصيانتها، إلى مشاريع زراعيةٍ جمعت بين دقّة النماذج التنبّؤية وخبرة المزارعين بأرضهم. والدرس المستخلص من هذه التجارب، كما تشير أدبيات التنمية الرصينة، أنّ التقنية كلّما تواضعت أمام المعرفة المحلية واندمجت بها كان أثرها أعمق وأبقى. ويرى الكاتب أنّ التواضع المنهجي للمؤسسة التقنية أمام حكمة المجتمع المتلقّي ليس تنازلاً، بل هو شرط النجاح الأول، إذ لا يُبنى جسرٌ متينٌ على ضفّةٍ واحدةٍ مهما علا بنيانها.
إنّ المستقبل الذي ينبغي أن نطمح إليه ليس عالماً تتدفّق فيه المعرفة التقنية من مركزٍ سخيٍّ إلى أطرافٍ ممتنّة، بل عالماً تتعدّد فيه المراكز وتتبادل الأدوار، حيث يصبح المجتمع الذي كان متلقّياً بالأمس منتجاً ومصدّراً للحلول غداً، يقدّم للعالم خبرته في تكييف الذكاء الاصطناعي مع لغاتٍ وثقافاتٍ وبيئاتٍ لم تُصمَّم له أصلاً. وذلك هو الفرق الجوهري بين الجسر والجدار: الجدار يُكرّس الفصل ويحرس امتيازاً، أمّا الجسر فيُلغي المسافة ويصنع تكافؤاً. والسؤال الذي يستحقّ أن نختم به ليس متى ستصلنا التقنية، بل متى نصبح نحن قادرين على أن نمدّ جسورنا الخاصة، فنعبر بمعرفتنا إلى الآخرين كما عبروا إلينا، ونحوّل علاقة التلقّي إلى علاقة عطاءٍ متبادلٍ تليق بكرامة الإنسان أينما كان. فحين يصبح بناء الجسور غايةً في ذاته لا وسيلةً لتجميل الجدران، يكون نقل المعرفة التقنية قد بلغ غايته الحقيقية: لا أن يُغني المحتاج لحظةً، بل أن يجعله غنياً بقدرته على إغناء سواه.