شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

أين تستثمر في الذكاء الاصطناعي عام 2027

ماذا لو كان أخطر ما يمكن أن يفعله مستثمر في الذكاء الاصطناعي عام 2027 هو أن يضع أمواله في الذكاء الاصطناعي نفسه؟ المفارقة التي يندر أن يجرؤ أحد على قولها بصوت مرتفع، وسط ضجيج الوعود وتدفق رؤوس الأموال، هي أن أعظم المكاسب التاريخية في الثورات التقنية الكبرى لم تذهب غالباً إلى من بنوا التقنية ذاتها، بل إلى من أحسنوا توظيفها في أماكن لم يكن أحد ينظر إليها. صانعو المحركات البخارية أفلس كثير منهم، فيما اغتنى أصحاب المصانع التي شغّلتها. باعة المعاول في حمى الذهب جنوا أكثر من معظم المنقّبين. والسؤال الذي يفرض نفسه على من يقف اليوم أمام خريطة الفرص هو: هل نحن نشتري المعاول، أم نظن أننا نشتري الذهب بينما نجمع الحصى؟

لفهم أين تكمن الفرصة الحقيقية، لا بد من تفكيك سلسلة القيمة في هذه الصناعة إلى طبقاتها الأربع التي تحدد مصير أي رأس مال يدخلها. الطبقة الأولى هي البنية التحتية الحوسبية، من مراكز البيانات الضخمة إلى شبكات الطاقة والتبريد التي تغذيها. والطبقة الثانية هي الرقائق المتخصصة التي تشكّل العصب الحاسوبي للنماذج. والطبقة الثالثة هي النماذج التأسيسية والتطبيقات المبنية فوقها. والطبقة الرابعة، الأقل بريقاً والأكثر دواماً في تقدير الكاتب، هي طبقة البيانات الخاصة والمعرفة القطاعية العميقة. كل طبقة من هذه الطبقات تخضع لاقتصاد مختلف تماماً من حيث هوامش الربح، وحواجز الدخول، وقابلية الاستبدال، ومن يأسر القيمة في نهاية المطاف. وقد بيّن تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد أن حجم الاستثمار الخاص في هذا القطاع بلغ مستويات قياسية متتالية، غير أن توزيع هذا الاستثمار يظل مركّزاً على نحو مقلق في الطبقات العليا الأكثر عرضة للتقلب. والمفارقة أن الوفرة المالية ذاتها قد تكون مصدر الخطر، إذ يدفع تخمة رأس المال نحو مطاردة أصول لامعة بأسعار لا تعكس قيمتها الجوهرية بقدر ما تعكس خوف المستثمرين من تفويت الفرصة.

لنبدأ بالبنية التحتية، حيث تتركز اليوم أضخم الرهانات الرأسمالية. الحجة المؤيدة بسيطة ومغرية: مهما تغيّرت النماذج، ستبقى الحاجة إلى قدرة حوسبية هائلة. هذا منطق "بيع المعاول" في أنقى صوره. غير أن الكاتب يرى أن في هذه الحجة فخاً خفياً: البنية التحتية كثيفة رأس المال إلى درجة أن عوائدها مرهونة باستمرار الطلب على الوتيرة نفسها التي تُبنى بها. وقد نبّهت دراسات صادرة عن باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الفجوة بين الإنفاق الرأسمالي الهائل على البنية التحتية والعائد الاقتصادي الفعلي المتحقق منها قد تتسع قبل أن تضيق، وأن كثيراً من المؤسسات لم تترجم استثماراتها بعد إلى مكاسب إنتاجية ملموسة. حين تُبنى مراكز البيانات على افتراض نمو أسّي لا ينقطع، فإن أي تباطؤ في الطلب يحوّل الأصل من منجم إلى عبء ثقيل من الإهلاك والفائدة. يرى الكاتب أن هذه الطبقة تحديداً هي المرشّح الأول لتكوّن فقاعة موضعية، لا لأن الطلب وهم، بل لأن التزامن بين الجميع على البناء في الوقت ذاته يخلق فائضاً في العرض يسبق نضج الطلب. ومع ذلك يبقى في هذه الطبقة جانب مشرق يغفله المتشائمون: الطاقة. فمن يملك مصادر طاقة رخيصة ومستقرة يملك أثمن مدخل في معادلة الحوسبة، لأن كلفة الكهرباء صارت هي السقف الحقيقي الذي يحدّ من توسّع هذه الصناعة، لا الرقائق وحدها. ولعل أصدق وصف لهذه الطبقة أنها سباق بين سرعة بناء الطاقة وسرعة نمو الطلب، ومن يخطئ تقدير أيهما يسبق الآخر يدفع الثمن من رأس ماله لا من نشرات توقعاته.

أما طبقة الرقائق، فهي القلعة الأكثر تحصيناً في هذه الخريطة، وأكثرها هشاشةً في آن واحد. تحصينها نابع من حاجز الدخول التقني والجيوسياسي الهائل الذي يجعل تصنيع الرقائق المتقدمة حكراً على حفنة من الكيانات في العالم. وهشاشتها نابعة من المصدر نفسه: تركّز شديد يجعلها رهينة للتوترات الجيوسياسية وقيود التصدير وتقلبات سلاسل الإمداد. وقد أشار تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن أشباه الموصلات أصبحت نقطة ارتكاز في السياسة الصناعية للدول الكبرى، مما يحوّل قرار الاستثمار فيها من قرار اقتصادي محض إلى مراهنة على مسار الجغرافيا السياسية. الكاتب يرى أن من يستثمر في هذه الطبقة لا يشتري حصة في شركة، بل يشتري عقداً ضمنياً مع تقلبات العلاقات الدولية، وهو عقد قد يكون مربحاً للغاية، لكنه ليس للقلوب الضعيفة ولا للأموال التي تحتاج إلى يقين. وثمة بُعد آخر كثيراً ما يُهمل: المنافسة لا تدور حول الرقاقة الأقوى وحدها، بل حول الرقاقة الأكفأ في استهلاك الطاقة، وهنا قد يأتي الاختراق القادم من زاوية لا يتوقعها من يركّز على القوة الخام دون كفاءتها.

شاطئ الجبيل وننتقل إلى الطبقة الأكثر صخباً وجاذبيةً للأنظار: النماذج التأسيسية والتطبيقات. هنا تتركز أحلام التضخّم السريع في القيمة، وهنا أيضاً تكمن أعمق المخاطر التي يتجاهلها المتحمسون. المشكلة البنيوية أن النماذج التأسيسية تنزلق بسرعة نحو التحوّل إلى سلعة، إذ تتقارب قدرات النماذج المتنافسة وتتساقط أسعار الاستدلال بوتيرة مذهلة، فيتآكل الهامش الذي بُني عليه التقييم. وقد لاحظ باحثون في كلية هارفارد للأعمال أن كثيراً من الشركات الناشئة في طبقة التطبيقات تفتقر إلى ما يسمّى خندقاً دفاعياً حقيقياً، لأن قيمتها مستمدة من نموذج تملكه جهة أخرى، فهي بناء فوق أرض مستأجرة. يرى الكاتب أن المعيار الفاصل في هذه الطبقة ليس مدى ذكاء التطبيق، بل مدى صعوبة تقليده: التطبيق الذي يمكن لمنافس استنساخه في أسابيع ليس استثماراً، بل رهان على سرعة الهروب قبل أن يلحق به القطيع. والأخطر أن النموذج التأسيسي نفسه، الذي يبني فوقه التطبيق، قد يبتلع وظيفته في تحديثه التالي، فيتحوّل الشريك إلى منافس بين ليلة وضحاها، وهي مخاطرة فريدة لا نظير لها في الصناعات التقليدية. والمفارقة المؤلمة أن أنجح التطبيقات قد تكون أقصرها عمراً، لأن نجاحها ذاته يغري مالك النموذج الأساسي بابتلاع وظيفتها.

شاطئ الجبيل وتبقى الطبقة الرابعة، طبقة البيانات الخاصة والمعرفة القطاعية، وهي في تقدير الكاتب الكنز المُهمَل في هذه الخريطة. القيمة الدائمة لا تكمن في النموذج العام الذي يتاح للجميع، بل في البيانات الفريدة التي يستحيل على المنافسين الوصول إليها: سجلات طبية، بيانات صناعية تشغيلية، معرفة قانونية أو هندسية متراكمة عبر عقود. النموذج سلعة، أما البيانات النادرة فأصل لا يُستنسخ. وقد أكدت تقارير صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي ستتركز بشكل متزايد لدى الجهات التي تملك بيانات قطاعية عميقة وقدرة على دمجها في سياق العمل الفعلي، لا لدى من يملكون الخوارزمية المجردة وحدها. يرى الكاتب أن المستثمر الذكي عام 2027 سيبحث عن المؤسسات التي تجلس على بحيرات بيانات حصرية ولم تستثمرها بعد، لا عن تلك التي تطارد آخر نموذج لغوي. ففي عالم تتساوى فيه أدوات الذكاء، يصبح التمايز كله في الوقود الذي تُغذى به، وذلك الوقود ملكية حصرية لا تُشترى من السوق المفتوح. وما يزيد الأمر تعقيداً أن قيمة البيانات لا تُقاس بحجمها بل بندرتها وصلتها المباشرة بقرار اقتصادي، فبحيرة بيانات ضخمة بلا سياق أقل قيمة بكثير من سجل صغير دقيق يحسم قراراً مصيرياً، وهذا تمييز يغفله كثير من المتحمسين لشعار البيانات هي النفط الجديد.

إذا كانت هذه هي الخريطة، فما المنهج الذي يحوّلها من تأمل نظري إلى قرار؟ يقترح الكاتب ركائز خمساً لتقييم الجدوى بعيداً عن نشوة العناوين. الركيزة الأولى هي سؤال أسر القيمة: حين تنخفض تكلفة هذه التقنية إلى الصفر تقريباً، من الذي سيحتفظ بالربح في سلسلة القيمة؟ إن لم يكن لديك إجابة مقنعة، فأنت تموّل رفاهية المستهلك لا ثروتك. الركيزة الثانية هي اختبار المتانة الزمنية: هل يصمد هذا الأصل أمام دورة هبوط كاملة، أم أن جدواه مشروطة باستمرار التدفق النقدي السهل؟ الركيزة الثالثة هي قياس الخندق الدفاعي الحقيقي، الذي يكمن غالباً في البيانات أو الشبكة أو التكامل العميق، لا في خوارزمية قابلة للاستنساخ. الركيزة الرابعة هي تحليل التعرّض الجيوسياسي بوصفه متغيراً أساسياً لا هامشاً. والركيزة الخامسة، وربما أهمها، هي التمييز الحاسم بين القيمة المتحققة فعلاً والقيمة المتوقعة، فبين الاثنين فجوة تبتلع ثروات. ومن يطبّق هذه الركائز بصرامة سيكتشف أن نصف ما يُعرض عليه بوصفه فرصة عمره هو في حقيقته دعوة لتمويل خسائر الآخرين. والتاريخ المالي مليء بأمثلة أصول بدت لا تُقهر في ذروتها ثم تبخّرت قيمتها حين انكشف أن سعرها كان يعكس الحماس لا الجدوى، وما من سبب يجعل هذه الموجة استثناءً من قانون عرفته كل الفقاعات قبلها.

ولا تكتمل هذه الخريطة دون قراءتها في ضوء السياق العربي، حيث تتقاطع مع رؤية المملكة العربية السعودية 2030 على نحو لافت. الميزة النسبية للمنطقة لا تكمن في منافسة العمالقة على بناء النماذج التأسيسية، وهي معركة رأسمالية محسومة سلفاً لغيرها، بل في طبقتين أكثر ملاءمةً لمزاياها: طبقة البنية التحتية المدعومة بوفرة الطاقة وانخفاض كلفتها، وطبقة البيانات القطاعية في مجالات تملك فيها المنطقة ثقلاً عالمياً كالطاقة واللوجستيات والحج والخدمات الحكومية. يرى الكاتب أن أعظم الفرص الإقليمية تكمن في بناء بحيرات بيانات سيادية عميقة وتوظيفها في حل مشكلات محلية ملموسة، بدل محاكاة نماذج صُممت لسياقات أخرى. التوطين الذكي للتقنية أجدى من استيرادها، والاستثمار في البيانات أبقى من الاستثمار في الخوارزمية المستأجرة. والمنطقة التي تحوّلت طاقتها يوماً إلى ثروة نفطية قد تحوّل اليوم وفرة طاقتها وبياناتها السيادية إلى ثروة معرفية، إن أحسنت قراءة الخريطة بدل اللهاث خلف بريقها.

تبقى المسألة الأخيرة، وهي الأعمق: متى نعرف أننا في فقاعة؟ يرى الكاتب أن العلامة الأوضح ليست ارتفاع الأسعار، بل اختفاء السؤال عن الجدوى ذاته، حين يصبح مجرد طرحه ضرباً من السذاجة في نظر السوق. الفقاعات لا تنفجر حين ينفد المال، بل حين ينفد الإيمان. وما يميّز عام 2027 أنه قد يكون نقطة الانعطاف التي يبدأ عندها السوق بالتمييز بين من يبيع الذكاء ومن يبيع وهمه. المستثمر الذي يطرح اليوم سؤال الجدوى بصبر، ويبحث عن القيمة في الطبقات المهملة لا اللامعة، ويميّز بين المعول والذهب، هو وحده من سيظل واقفاً حين ينقشع الغبار. أما البقية فسيكتشفون، متأخرين، أن أغلى ما اشتروه لم يكن ذكاءً اصطناعياً، بل قصة جميلة عنه.