أيُّ شهادةٍ تفتحُ بابًا لا يُغلَق؟ السؤالُ نفسُه مُضلِّلٌ، لأنّ الأبوابَ في سوقِ العملِ الرقميِّ لم تَعُد ثابتةً في جدرانٍ ثابتة. تَخيّلْ شخصينِ يقفانِ أمامَ صاحبِ عملٍ واحد: الأوّلُ يُمسكُ شهادةً لامعةً من منصّةٍ عالميةٍ شهيرة، والثاني لا يحملُ سوى ثلاثةِ نماذجَ بناها بيديهِ ورفعَها على مستودعٍ مفتوح. مَن يفوزُ بالوظيفة؟ المفارقةُ أنّ الإجابةَ التي كانت بديهيةً قبلَ سنواتٍ قليلةٍ صارتْ اليومَ موضعَ شكٍّ عميق. فالشهادةُ، التي وُلدتْ لتكونَ اختصارًا للثقةِ بين الغريبَين، باتتْ في كثيرٍ من الأحيانِ حجابًا يُخفي الكفاءةَ بدلَ أن يكشفَها. وهنا يبدأُ التمييزُ الحقيقيُّ بين مَن يجمعُ الأوسمةَ ومَن يُتقنُ الصنعة.
لنفهمَ هذا الالتباس، يجبُ أن نعودَ إلى طبيعةِ الشهادةِ ذاتِها. الشهادةُ في جوهرِها إشارةٌ اقتصادية، أو ما يُسمّيهِ الاقتصاديونَ منذُ مايكل سبنس الحائزِ على نوبل بـ"التأشير" أو الـsignaling: وثيقةٌ يدفعُ المرءُ ثمنَها كي يُقنعَ سوقًا لا تستطيعُ قياسَ قدراتِه مباشرةً بأنّه يملكُ تلك القدرات. غيرَ أنّ هذه الآليةَ تنهارُ حينَ يصبحُ الحصولُ على الإشارةِ أرخصَ من اكتسابِ المهارةِ التي تُفترضُ خلفَها. وهذا بالضبطِ ما يحدثُ في مجالِ الذكاءِ الاصطناعيِّ اليوم: فيضٌ من الشهاداتِ القصيرةِ يُوزَّعُ بكبسةِ زرٍّ بعد أسابيعَ من المشاهدةِ السلبية، حتى غدتِ الإشارةُ مُشوَّشةً لا تكادُ تُميّزُ صاحبَها عن سواه. وقد أشارتْ دراساتُ كليةِ هارفارد لإدارةِ الأعمالِ مرارًا إلى ظاهرةِ "تضخّمِ المؤهلات"، حيثُ يطلبُ أربابُ العملِ مؤهلاتٍ متزايدةً لوظائفَ لم تتغيّرْ مهامُّها، فتفقدُ الشهادةُ معناها التمييزيَّ بمقدارِ ما تنتشر.
ولكي نقرأَ المشهدَ بعينٍ تاريخية، يحسُنُ أن نتذكّرَ أنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ نفسَه وُلدَ في ورشةِ عملٍ صيفيةٍ بكليةِ دارتموث عامَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وستةٍ وخمسين، حينَ اجتمعَ نفرٌ قليلٌ من الباحثينَ بلا شهاداتٍ متخصّصةٍ في حقلٍ لم يكنْ قد وُلدَ بعد، فصنعوهُ بأيديهم. هذه الحقيقةُ وحدَها تكشفُ مفارقةً جوهرية: المجالُ الذي تتسابقُ المنصّاتُ اليومَ على منحِ شهاداتٍ فيهِ هو ابنُ الفضولِ والتجريبِ لا ابنُ الاعتمادِ الرسمي. ومنذُ ذلك الحين، ظلّتِ الجامعاتُ الكبرى مثلَ ستانفورد ومعهدِ ماساتشوستس للتقنية تُنتجُ المعرفةَ الأصيلةَ بينما تتكاثرُ حولَها طبقةٌ من الوسطاءِ التعليميينَ الذين يُعيدونَ تغليفَ تلك المعرفةِ ويبيعونَها مغلّفةً بختمٍ معدنيّ.
وهنا يرى الكاتبُ أنّ الخطأَ الأكبرَ الذي يقعُ فيهِ الطامحونَ هو سؤالُهم عن "أفضلِ شهادة" بدلَ السؤالِ عن "أيِّ برهان". فالسوقُ الرقميُّ لا يشتري الوعودَ، بل يشتري الأدلّة. والشهادةُ ليستْ دليلًا على الإنجاز، بل وعدٌ بقدرةٍ افتراضية. ولهذا تتفوّقُ حافظةُ المشاريعِ العمليةُ، أي الـportfolio، على أيِّ ورقةٍ مهما كان مُصدِرُها مرموقًا. حينَ يُقدّمُ المرشّحُ نموذجًا درّبَه على بياناتٍ حقيقية، أو حلًّا برمجيًّا يُعالجُ مشكلةً ملموسة، فإنّه يُقدّمُ إشارةً لا تقبلُ التزييف، لأنّ تكلفةَ تزويرِها تساوي تكلفةَ إتقانِها. وهذا هو المعيارُ الذي يُسقطُ به الكاتبُ كثيرًا من الادّعاءاتِ التسويقيةِ للمنصّاتِ التي تَعِدُ بـ"وظيفةٍ مضمونة" بعدَ دورةٍ من بضعةِ أسابيع.
غيرَ أنّ هذا لا يعني أنّ الشهاداتِ بلا قيمةٍ على الإطلاق، وهنا يكمنُ التمييزُ الدقيق. فثمّةَ فرقٌ شاسعٌ بين شهادةٍ تُصدّقُ على رحلةِ تعلّمٍ صارمةٍ وشهادةٍ تُكافئُ مجرّدَ الحضور. الشهاداتُ ذاتُ القيمةِ الحقيقيةِ هي تلك التي تَقترنُ بتقييمٍ صعبٍ يُرفَضُ فيهِ بعضُ المتقدّمين، أو بمشروعٍ ختاميٍّ يُراجَعُ بدقّة، أو بانتسابٍ إلى مؤسّسةٍ بحثيةٍ تضعُ سمعتَها على المحكّ. فشهادةُ تخصّصٍ من جامعةٍ كستانفورد عبرَ برامجِها المهنيةِ ليستْ كشهادةِ منصّةٍ مجهولةِ المنشأ، لا لأنّ الاسمَ يُغني، بل لأنّ صرامةَ التقييمِ خلفَه أعلى. والعبرةُ، كما تذهبُ تقاريرُ منظمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ حولَ المهاراتِ الرقمية، ليستْ في الورقةِ بل في المنهجِ الذي قادَ إليها، وفي قابليةِ المهارةِ للتطبيقِ والقياس.
وحينَ ننظرُ إلى السوقِ كمنظومةٍ متحرّكة، تتّضحُ صورةٌ أكثرُ إقلاقًا للراحة. فقد قدّرَ المنتدى الاقتصاديُّ العالميُّ في تقاريرِه عن مستقبلِ الوظائفِ أنّ نسبةً كبيرةً من المهاراتِ المطلوبةِ ستتبدّلُ جذريًّا خلالَ سنواتٍ قليلة، وأنّ الذكاءَ الاصطناعيَّ في طليعةِ القوى التي تُعيدُ تشكيلَ خرائطِ العمل. ومعنى ذلك أنّ أيَّ شهادةٍ تُحدّدُ نفسَها بأداةٍ بعينِها، أو بإطارِ عملٍ برمجيٍّ مُحدّد، مُعرّضةٌ للتقادمِ السريعِ بمجرّدِ أن يتغيّرَ السائدُ في الصناعة. ولذا يرى الكاتبُ أنّ السؤالَ الأذكى ليسَ "أيُّ شهادةٍ أحملُها اليوم" بل "أيُّ شهادةٍ تُعلّمُني كيفَ أتعلّمُ غدًا". القيمةُ الحقيقيةُ في التعليمِ الذي يبني الأسسَ الرياضيةَ والإحصائيةَ والمنطقيةَ التي لا تتقادم، لا في التعليمِ الذي يُدرّبُ على واجهةِ برنامجٍ ستتغيّرُ نسختُه بعدَ أشهر.
ومن هنا تنبثقُ رؤيةٌ مخالفةٌ للسائدِ تستحقُّ التأمّل: إنّ الانقسامَ الحقيقيَّ في سوقِ العملِ لن يكونَ بين مَن يحملُ شهادةً ومَن لا يحملُها، بل بين مَن يفهمُ الذكاءَ الاصطناعيَّ من الداخلِ ومَن يستهلكُه من الخارج. الطبقةُ الأولى تعرفُ كيفَ تُبنى النماذجُ ولماذا تفشلُ وأينَ تكمنُ انحيازاتُها، والطبقةُ الثانيةُ تكتفي بكتابةِ الأوامرِ النصيةِ للأدوات. وقد نبّهتْ أبحاثُ معهدِ ماساتشوستس للتقنيةِ حولَ التكامُلِ بين الإنسانِ والآلةِ إلى أنّ القيمةَ المضافةَ تتركّزُ لدى مَن يُجيدُ توجيهَ الآلةِ ونقدَ مخرجاتِها لا لدى مَن يُسلّمُ لها قيادَه. والشهادةُ التي لا تنقلُ المرءَ من ضفّةِ الاستهلاكِ إلى ضفّةِ الفهمِ هي، مهما لمعتْ، استثمارٌ خاسر.
فما الركائزُ العمليةُ إذًا لمن أرادَ أن يُميّزَ نفسَه بصدق؟ الركيزةُ الأولى أن يُقيّمَ كلَّ برنامجٍ بمعيارِ التقييمِ لا بمعيارِ الشعار: هل يُختبَرُ فيهِ المتعلّمُ اختبارًا حقيقيًّا يُمكنُ أن يرسبَ فيه؟ الركيزةُ الثانيةُ أن يُفضّلَ البرامجَ التي تُلزمُه بإنتاجِ عملٍ ملموسٍ يُضافُ إلى حافظتِه، لأنّ ما يبقى بعدَ نسيانِ المحاضراتِ هو ما صنعتْه اليدان. الركيزةُ الثالثةُ أن يُوازنَ بين العمقِ النظريِّ والمهارةِ التطبيقية، فلا ينجرفَ خلفَ الرياضياتِ المجرّدةِ وحدَها ولا خلفَ الأدواتِ السريعةِ وحدَها. الركيزةُ الرابعةُ أن يقرأَ الإشارةَ من زاويةِ مَن سيُوظّفُه: ما الذي يحترمُه أصحابُ العملِ في مجالِه وبلدِه فعلًا، لا ما تَعِدُ بهِ الإعلاناتُ؟ والركيزةُ الخامسةُ، وربّما أهمُّها، أن يبنيَ سيرةً من البراهينِ المتراكمةِ لا من الأوراقِ المتناثرة، فالسوقُ يثقُ بسجلٍّ متّسقٍ أكثرَ ممّا يثقُ بومضةٍ عابرة.
وفي السياقِ العربيِّ تحديدًا، تكتسبُ هذه المعاييرُ إلحاحًا مضاعفًا. فالمنطقةُ تشهدُ اندفاعًا محمودًا نحوَ التحوّلِ الرقميّ، ورؤيةُ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ ألفَينِ وثلاثينَ تضعُ الاقتصادَ المعرفيَّ وتوطينَ المهاراتِ التقنيةِ في صميمِ أهدافِها، عبرَ مبادراتٍ وطنيةٍ كبرى لتأهيلِ الكفاءاتِ في الذكاءِ الاصطناعيِّ والبيانات. لكنّ هذا الزخمَ يحملُ في طيّاتِه مخاطرَ سوقٍ موازيةٍ من الشهاداتِ السطحيةِ التي تستثمرُ في حماسةِ الشباب. ولذا فإنّ نضجَ الطالبِ العربيِّ في التمييزِ بين الإشارةِ الجوفاءِ والكفاءةِ الصلبةِ ليسَ ترفًا فرديًّا، بل شرطٌ لنجاحِ المشروعِ الوطنيِّ برمّتِه. فالأممُ لا تُبنى بأكوامِ الشهاداتِ بل بطبقةٍ من العقولِ التي تفهمُ ما تصنع.
ولا يكتملُ هذا التحليلُ دونَ التفاتةٍ إلى اقتصادياتِ التعليمِ نفسِها، إذ تحوّلتْ صناعةُ الشهاداتِ القصيرةِ إلى سوقٍ ضخمةٍ تُديرُها حوافزُ تجاريةٌ لا تتطابقُ بالضرورةِ مع مصلحةِ المتعلّم. فالمنصّةُ التي تربحُ من عددِ المسجّلينَ لا من عددِ الناجحينَ في سوقِ العملِ، لديها دافعٌ بنيويٌّ لخفضِ عتبةِ الصعوبةِ وتضخيمِ الوعود. وقد لاحظتْ تحليلاتُ كليةِ هارفارد حولَ مستقبلِ التعلّمِ أنّ النموذجَ الرابحَ هو ما يربطُ التقييمَ بمخرجاتٍ قابلةٍ للتحقّقِ في بيئةِ العملِ الفعلية، لا بمجرّدِ إكمالِ ساعاتِ المشاهدة. والمتعلّمُ الذكيُّ هو الذي يقرأُ هذا الحافزَ الخفيَّ، فيسألُ عمّن يُموّلُ البرنامجَ ولماذا، قبلَ أن يسألَ عن سعرِه ومدّتِه. فحينَ تكونُ أنتَ المنتَجَ لا الزبون، تتبدّلُ المعادلةُ كلُّها.
ثمّةَ بُعدٌ آخرُ كثيرًا ما يُغفَل، وهو أنّ قيمةَ الشهادةِ ليستْ مطلقةً بل نسبيةٌ تتعلّقُ بمرحلةِ المسارِ المهنيِّ لصاحبِها. فالشهادةُ التي تنفعُ مَن يقتحمُ المجالَ لأوّلِ مرّةٍ بوصفِها جوازَ عبورٍ أوّليًّا، قد تُصبحُ بلا قيمةٍ تُذكَرُ لمن قطعَ شوطًا وراكمَ سجلًّا عمليًّا. فالمبتدئُ يحتاجُ إلى إشارةٍ تسدُّ غيابَ الخبرة، بينما المخضرمُ تتحدّثُ أعمالُه عنه فيغدو طلبُه لشهادةٍ جديدةٍ ضربًا من الإسرافِ ما لم تفتحْ له بابًا تخصّصيًّا مغلقًا. وهنا يرى الكاتبُ أنّ توصيةً واحدةً لا تصلحُ للجميع: على كلِّ طامحٍ أن يُشخّصَ موقعَه على المنحنى أوّلًا، ثمّ يختارَ أداتَه. فما يُنقذُ المبتدئَ قد يُكبّلُ الخبيرَ، والعكسُ صحيح. وقد تأكّدَ هذا التوجّهُ في أبحاثِ جامعةِ أوكسفورد حولَ أثرِ الأتمتةِ على الوظائف، التي بيّنتْ أنّ المهنَ الأكثرَ مناعةً هي تلك التي تتطلّبُ حكمًا معقّدًا وإبداعًا وتعاملًا مع غموضِ المسائلِ، وهي قدراتٌ لا تُكتسَبُ من دورةٍ عابرةٍ بل من تكوينٍ معرفيٍّ عميق. فالأتمتةُ تبتلعُ المهامَّ الروتينيةَ القابلةَ للوصفِ بقواعدَ واضحة، وتترُكُ للإنسانِ مساحةَ القرارِ حيثُ تتشابكُ الاعتباراتُ ويغيبُ الجوابُ الواحد.
وأمّا الجامعةُ التقليديةُ في مواجهةِ هذا السيلِ من البدائلِ السريعة، فموقفُها أعقدُ ممّا تُصوّرُه خطاباتُ الحماسةِ أو خطاباتُ الرفض. صحيحٌ أنّ الدرجةَ الأكاديميةَ بطيئةٌ ومكلفة، لكنّها لا تزالُ تُقدّمُ ما تعجزُ عنه الدوراتُ القصيرة: العمقَ النظريَّ المتراكم، وشبكةَ العلاقاتِ، والانضباطَ طويلَ النفَسِ الذي يصنعُ الباحثَ لا المُشغّلَ فحسب. ولذا فإنّ المعادلةَ الأنضجَ ليستْ مفاضلةً صفريةً بين الجامعةِ والمنصّة، بل تكاملٌ مدروس: أساسٌ متينٌ يُبنى ببطءٍ، تُطعّمُه شهاداتٌ متخصّصةٌ سريعةُ التحديثِ تُواكبُ تقلّبَ الأدوات. وبهذا يجمعُ المرءُ بين رسوخِ الجذرِ ومرونةِ الغصن، فلا يُضحّي بالعمقِ على مذبحِ السرعة، ولا بالسرعةِ على مذبحِ العمق.
يرى الكاتبُ في خلاصةِ القولِ أنّ الشهادةَ التي تفتحُ بابَ المستقبلِ ليستْ اسمًا تُكتبُ علي بطاقتِك، بل قدرةٌ تُكتبُ في عملِك. وأنّ أنبلَ ما يمكنُ أن تُعلّمَه إيّاكَ برامجُ الذكاءِ الاصطناعيِّ ليسَ خوارزميةً بعينِها، بل عادةُ التعلّمِ المستمرِّ التي تُبقيكَ سابقًا للموجةِ لا غارقًا فيها. ولعلّ المستقبلَ، حينَ تنضجُ الأسواقُ وتتعلّمُ قراءةَ البراهينِ مباشرة، يُلغي حاجتَنا إلى الشهادةِ من أصلِها، فيقفُ المرءُ أمامَ عملِه عاريًا من الأوسمةِ، مكتفيًا بما صنعتْ يداه. وذلك، في تقديرِ الكاتب، ليسَ نهايةَ التعليمِ بل بلوغُه أرقى صورِه: حينَ يصيرُ البرهانُ هو الشهادة، وتصيرُ الصنعةُ هي الختم. أمّا حتى ذلك الحين، فالحكمةُ كلُّها في ألّا تسألَ أيَّ بابٍ تطرق، بل أن تتأكّدَ أوّلًا أنّكَ تستحقُّ الدخول.