مَن قال لك إنّ الآلة ستأخذ وظيفتك كذب عليك، ومَن قال لك إنّها لن تمسّها كذب عليك مرّتين.
تخيّل صرّافاً في بنكٍ مطلع السبعينيات سمع لأول مرة بآلةٍ تصرف النقود من ثقبٍ في الجدار، فظنّ أنّ مهنته إلى زوال. ثمّ حدث ما لم يتوقّعه أحد: انخفضت كلفة فتح فرعٍ جديد مع انتشار أجهزة الصرّاف الآلي، فافتتحت البنوك فروعاً أكثر، فازداد عدد الصرّافين لا العكس، لكنّ عملهم تحوّل من عدّ الأوراق النقدية إلى بيع الخدمات وبناء العلاقات. هذه المفارقة، التي وثّقها الاقتصادي جيمس بِسِن من جامعة بوسطن، تختصر كلّ ما يُساء فهمه في نقاش الذكاء الاصطناعي والوظائف: نحن نتحدّث عن «الوظائف» وكأنّها كتلٌ صمّاء تُؤخذ أو تُترك، بينما الحقيقة أنّ الوظيفة حزمةٌ من المهام، وأنّ الآلة لا تبتلع المهنة كاملةً، بل تقضم منها مهمّةً وتضيف إليها أخرى، وتُعيد تركيب ما تبقّى في صورةٍ جديدة.
هنا يكمن المفتاح الذي يجهله المتطرّفون في الجهتين. الفريق الأول يبشّر بنهاية العمل البشري، ويلوّح بأرقامٍ مرعبة عن ملايين الوظائف التي ستتبخّر، فيبيع الخوف كما يُباع كلّ شيء في زمن الضجيج. والفريق الثاني، إنكاراً للواقع، يربت على كتفك قائلاً إنّ التكنولوجيا لطالما خلقت وظائف أكثر مما دمّرت، فلا تقلق. كلاهما يرتكب الخطأ نفسه: يعامل التحوّل كأنّه حدثٌ واحدٌ كبير، لا عمليةً بطيئةً غير متجانسة تصيب المهام قبل المهن، وتتفاوت في سرعتها وعمقها من قطاعٍ إلى قطاع، ومن بلدٍ إلى بلد، ومن عاملٍ إلى عامل. والذي يقرأ الخوف وحده يَشلّ نفسه، والذي يقرأ الطمأنينة وحدها يُخدَع، والصواب أن نقرأ التفاصيل التي يهرب منها الفريقان معاً.
لنُؤسّس النقاش على أرضٍ صلبة. الدراسة المؤسِّسة في هذا الباب، التي أنجزها فراي وأوزبورن في جامعة أوكسفورد عام 2013، قدّرت أنّ نحو 47 بالمئة من الوظائف في الولايات المتحدة معرّضةٌ للأتمتة. لكنّ هذا الرقم، الذي تناقلته الصحف وكأنّه نبوءة، قام على افتراضٍ هشّ: أنّ الوظيفة المعرّضة لمهمّةٍ قابلةٍ للأتمتة هي وظيفةٌ زائلة. وحين أعادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحساب على مستوى المهام لا المهن، هبط التقدير إلى ما يقارب 9 بالمئة من الوظائف المعرّضة للأتمتة الكاملة، بينما تواجه نسبةٌ أكبر بكثير تغيّراً جزئياً في تركيبتها. الفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً إحصائياً، بل هو جوهر الحكاية: حين تنظر إلى المهمة ترى تحوّلاً، وحين تنظر إلى المهنة وحدها ترى انقراضاً وهمياً.
ويرى الكاتب أنّ الخطأ الأعمق في الخطاب السائد هو خلطه بين «القدرة التقنية على الأتمتة» و«الجدوى الاقتصادية لها» و«القبول الاجتماعي بها». فمعهد ماكنزي العالمي، حين قدّر أنّ نحو نصف الأنشطة العملية قابلةٌ تقنياً للأتمتة بالتكنولوجيا المتاحة، أوضح في الوقت نفسه أنّ أقلّ من خمسة بالمئة من المهن قابلةٌ للأتمتة بالكامل. القدرة التقنية شرطٌ لازم لكنّه غير كافٍ؛ فبين أن تستطيع الآلة أداء مهمّةٍ وأن يكون من المربح والمقبول أن تؤدّيها مسافةٌ تقطعها عواملُ الأجور والتنظيم والثقة والمسؤولية القانونية. الكاميرا قادرةٌ منذ عقودٍ على قراءة الأشعّة، لكنّ القرار الطبيّ ما زال بشرياً، لا لقصورٍ تقنيٍّ وحده، بل لأنّ المساءلة والثقة والسياق السريريّ تأبى أن تُسلَّم إلى صندوقٍ أسود. وكلّما ارتفعت كلفة الخطأ في مهمّةٍ ما، تباطأت أتمتتها مهما بلغت قدرة الآلة عليها.
ثمّ جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليقلب فرضيةً عمرها عقود. كان المعتاد أنّ الأتمتة تبدأ من أسفل سلّم المهارات: الأعمال الروتينية اليدوية والإدارية أولاً، ثمّ تصعد ببطء. لكنّ النماذج اللغوية الكبيرة قلبت المعادلة، إذ صارت تطال المهام المعرفية المتوسّطة والعالية: الكتابة، والترجمة، والتلخيص، والبرمجة الأوليّة، وخدمة العملاء، والتحليل القانوني التمهيدي. وقد بيّنت دراسةٌ صدرت عن باحثين في «أوبن إيه آي» وجامعاتٍ شريكة أنّ ثمانين بالمئة من القوى العاملة الأمريكية قد تتأثّر عشرةُ بالمئةٍ على الأقلّ من مهامها بهذه النماذج، وأنّ نحو تسعةَ عشرَ بالمئةٍ قد تتأثّر نصفُ مهامهم. لاحظ الصياغة الدقيقة: «تتأثّر مهامهم»، لا «تزول وظائفهم». هذا التمييز هو الفرق بين التحليل والتهويل.
وهنا تتجلّى المفارقة الأهمّ التي يرى الكاتب أنّها مغيّبةٌ عن النقاش العربيّ خاصة: الذكاء الاصطناعي التوليدي ضاغطٌ أكثر على الياقات البيضاء منه على الياقات الزرقاء. فالعامل الذي يصلح المواسير، ويركّب الأسلاك، ويعتني بمريضٍ مُسنّ، ويطهو في مطعم، أكثر حصانةً اليوم من المحلّل المبتدئ والمصمّم المبتدئ والكاتب المبتدئ، لأنّ المهارة اليدوية المتجسّدة في الجسد والمكان أعصى على الأتمتة من المهارة الرمزية المتجسّدة في النصّ والرمز. مفارقة مورافيك القديمة تعود لتقول قولها: ما يسهل على الإنسان يصعب على الآلة، وما يصعب على الإنسان قد يسهل عليها. لقد أنفقنا عقوداً نحسب أنّ السائق أضعف من المحاسب، فإذا الواقع يكشف عكساً مربكاً، وإذا الأيدي العاملة التي استهان بها بعضهم تصير أحصن الحصون.
ولنضرب مثلاً يوضّح الفكرة بجلاء. خذ مهنة المحاماة، التي يظنّها كثيرون في مرمى الخطر المباشر. الذكاء الاصطناعي بارعٌ في مراجعة آلاف العقود واستخراج البنود ورصد التناقضات، وهي مهامٌ كانت تستهلك ساعات المحامين الناشئين. لكنّ التفاوض، وقراءة نفسية الخصم، وبناء الثقة مع الموكّل، وتحمّل المسؤولية أمام القاضي، تظلّ بشريةً في جوهرها. فالمهنة لا تزول، بل ينكمش جزؤها الكَدْحيّ ويتضخّم جزؤها الحُكميّ. والمحامي الذي يتقن توجيه الأداة يصير أقوى، والذي ينكرها يصير أبطأ من خصمٍ يستعين بها. وهذا النمط ذاته يتكرّر في الطبّ والهندسة والصحافة والمحاسبة: ليست مهنةً تُمحى، بل بنيةُ مهنةٍ تُعاد هندستها من الداخل.
ومن الإنصاف أن نقرّ بأنّ بعض الوظائف ستزول فعلاً، لا جزئياً بل كلياً، وأنّ التهوين من ذلك قسوةٌ على من يعيشونه. فمدخل البيانات الذي يقضي يومه ناقلاً أرقاماً من ورقةٍ إلى شاشة، ومركز الاتصال الذي يكرّر إجاباتٍ محفوظة، والمترجم الذي يحوّل نصوصاً نمطيةً بلا إبداع، هؤلاء يقفون في الصفّ الأمامي للخطر، لا لأنّهم أقلّ كفاءةً، بل لأنّ مهامهم رمزيةٌ متكرّرةٌ قابلةٌ للنمذجة. والصدق يقتضي ألّا نواسيهم بكلامٍ معسول عن وظائف المستقبل التي قد لا تكون في متناولهم، بل أن نبني لهم جسوراً حقيقيةً نحوها. التوازن لا يعني المساواة بين كلّ الحالات، بل يعني الدقّة في تمييز من يُهدَّد كلياً ممّن يُهدَّد جزئياً ممّن يُمكَّن ويُعزَّز.
وثمّة بُعدٌ ثالثٌ يفوت كثيرين: الأثر لا يقع على المهنة بل على درجة الخبرة داخلها. فقد بيّنت أبحاثٌ ميدانية، منها تجاربُ نشرها باحثون مرتبطون بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ستانفورد على فرق خدمة العملاء والكتابة المهنية، أنّ أدوات الذكاء الاصطناعي ترفع إنتاجية المبتدئين أكثر من الخبراء، إذ تنقل إليهم خلاصة ما تعلّمه المهرة. وهذا سلاحٌ ذو حدّين: فهو من جهةٍ يضيّق الفجوة ويُسرّع التعلّم، ومن جهةٍ أخرى يهدّد السُّلّم التقليديّ الذي كان المبتدئ يصعد فيه درجةً درجة. فإذا أتمتنا المهام التمهيدية التي كان يتمرّس فيها الناشئ، فمن أين يأتي الخبير بعد عقد؟ هذه معضلةٌ بنيويّة لا يحلّها التفاؤل وحده.
لكنّ التوازن يقتضي ألّا ننزلق إلى الطمأنينة الكسولة. صحيحٌ أنّ التاريخ يشهد بأنّ الثورات التكنولوجية صنعت وظائف أكثر مما محت، لكنّ هذا الصدق الإجمالي يخفي ظلماً توزيعياً قاسياً. فالوظائف التي تُمحى ليست هي الوظائف التي تُخلق، والعامل الذي يفقد عمله في الخمسين من عمره لا يتحوّل بسهولةٍ إلى مبرمجٍ أو مهندس بيانات. تقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يقدّر أنّ التحوّل التكنولوجي سيُحدث اضطراباً هيكلياً واسعاً في سوق العمل خلال هذا العقد، مع إزاحة ملايين الأدوار وخلق ملايين أخرى في آنٍ معاً، وأنّ نصيباً معتبراً من المهارات الأساسية للوظائف سيتغيّر. الميزان قد يتعادل في المجموع، لكنّ الكفّتين لا تقعان على الكتفين ذاتهما، والفجوة بين مَن يُزاح ومَن يُستحدث له موضعٌ جديد هي حيث يسكن الألم الاجتماعيّ الحقيقي.
ويرى الكاتب أنّ الإطار الزمنيّ هو الضحية الأولى لكلّ نقاشٍ عن الأتمتة. التقنية تنضج في سنوات، لكنّ تبنّيها في المؤسسات يستغرق عقوداً، تعطّله القصور التنظيميّ وكلفة إعادة التصميم ومقاومة الثقافات وبطء الأنظمة القانونية. الكهرباء توافرت في المصانع الأمريكية قبل أن تنعكس على الإنتاجية بنحو أربعين عاماً، لأنّ المصنع كان لا بدّ أن يُعاد بناؤه حول المحرّك الكهربائي لا أن يُلصق المحرّك على بنيةٍ صُمّمت للبخار. وهكذا الذكاء الاصطناعي اليوم: قدرته تسبق جاهزيتنا لاستيعابها، والفجوة بين ما تستطيعه الآلة في المختبر وما تفعله في مكاتبنا ومصانعنا ومستشفياتنا هي مهلةٌ ثمينة، إن أحسنّا استثمارها صارت جسراً، وإن أهدرناها صارت هوّة.
فما العمل؟ يرى الكاتب أنّ الركيزة الأولى هي إعادة صياغة التعليم حول ما يكمّل الآلة لا ما ينافسها: الحكم، والسؤال الجيّد، والتعاطف، والتعامل مع الغموض، والقدرة على توجيه الأدوات الذكية بدل التنافس مع قدراتها الحسابية. الركيزة الثانية هي شبكات الأمان والتدريب المستمرّ على مدى الحياة المهنية، فلا يُترك العامل المُزاح وحيداً أمام سوقٍ تبدّلت قواعده، إذ إنّ إعادة التأهيل في منتصف العمر مسؤوليةٌ جماعية لا عبءٌ فرديّ. الركيزة الثالثة هي حوكمةٌ ذكية تميّز بين أتمتةٍ تُحرّر الإنسان من المملّ والخطر، وأتمتةٍ تُفقره وتُهمّشه، فليست كلّ أتمتةٍ نعمة وليست كلّها نقمة، والفارق في مَن يجني الثمرة وكيف توزَّع. والركيزة الرابعة، وهي أخفاها وأهمّها، أن نُعيد تصميم العمل نفسه لا أن نكتفي بحقن الأداة في عملٍ قديم؛ فالقيمة الحقيقية لا تأتي من استبدال الإنسان بالآلة في المهمة ذاتها، بل من تخيّل المهمة من جديد حين يتعاون الاثنان.
وفي السياق العربيّ، ورؤية السعودية 2030 تجعل من تنويع الاقتصاد وتوطين المهارات الرقمية هدفاً استراتيجياً، تتّسع نافذةٌ نادرة: مجتمعاتٌ شابّة، وبنيةٌ رقمية تتمدّد، وإرادةٌ سياسية للقفز. لكنّ القفز يقتضي أن نبني المهارات قبل أن تصل الموجة، لا أن نلهث خلفها. فالميزة ليست لمن يملك التقنية، بل لمن يملك القدرة على إعادة تشكيل عمله حولها بأسرع من غيره. والمجتمع الذي يستورد الأدوات ويُهمل بناء العقول التي تقودها يبقى تابعاً مهما امتلك من خوادم ورخص، والمجتمع الذي يستثمر في إنسانه يحوّل الموجة من خطرٍ يداهمه إلى تيّارٍ يركبه.
والحقيقة الكاملة، بلا تهويلٍ ولا تهوين، أنّ الذكاء الاصطناعي لن «يأخذ» الوظائف بالمعنى الدراميّ الذي يُروَّج له، لكنّه سيُعيد كتابة كلّ وظيفةٍ تقريباً من الداخل، يقضم مهامّ ويضيف أخرى، ويُغني مَن استعدّ ويُفقر مَن تخلّف. السؤال الحقيقيّ ليس «هل ستأخذ الآلة وظيفتي»، بل «أيّ جزءٍ من عملي سيتحوّل، ومتى، وهل سأكون أنا مَن يقود ذلك التحوّل أم ضحيّته». ومَن يطرح هذا السؤال اليوم، بهدوءٍ وصدق، يكون قد قطع نصف الطريق نحو الجواب، لأنّ الوظيفة الوحيدة التي تُؤخذ كاملةً هي وظيفة مَن أبى أن يسأل.