ماذا لو لم يكن العالم الافتراضي مجرد ديكور رقمي بارد ننتقل بين جدرانه كأشباح بلا ظلال، بل كياناً يتنفّس ويتذكّر ويُغيّر سلوكه استجابةً لنا، حتى تعجز عن الجزم إن كنت أنت من يتجوّل فيه أم أنه من يتجوّل في وعيك؟ هذا السؤال لم يعد ترفاً فلسفياً يليق بصفحات الخيال العلمي، بل صار معضلةً تقنيةً وأخلاقيةً ملحّةً منذ اللحظة التي توقّف فيها الميتافيرس عن كونه فضاءً ثلاثي الأبعاد مأهولاً بنماذج جامدة، وبدأ يكتسب طبقةً جديدةً من الاستجابة الذكية تجعله يبدو، للوهلة الأولى، كأنه يفهم.
والمفارقة أن الحماسة العالمية للميتافيرس بلغت ذروتها عام ألفين وواحد وعشرين حين أعادت شركة ميتا تسمية نفسها، ثم خبت تلك الحماسة سريعاً حين اكتشف الناس أن العوالم الموعودة كانت قاعاتٍ خاويةً تفتقر إلى الروح، قبل أن يأتي الذكاء الاصطناعي التوليدي ليبثّ فيها ما كان ينقصها فعلاً، لا مزيداً من الرسوميات، بل قدرةً على السلوك والتكيّف والإدراك الظاهري. ومن سخرية الأقدار أن الذي أنقذ الميتافيرس من موته السريري لم يكن نظّاراتٍ أدقّ ولا شاشاتٍ أعلى دقّة، بل طبقةً برمجيةً غير مرئية تكمن خلف الصورة وتمنحها معنى.
لفهم عمق هذا التحوّل ينبغي أن نتذكّر أن الواقع الافتراضي وُلد أصلاً مشروعاً بصرياً، يسعى إلى خداع العين قبل خداع العقل. وقد ظلّت أبحاث مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومثلها أعمال مختبر التفاعل البشري الافتراضي في جامعة ستانفورد بقيادة جيرمي بايلنسون، تؤكّد أن الإحساس بالحضور داخل عالم اصطناعي لا ينشأ من دقّة الصورة وحدها، بل من اتساق استجابة العالم لأفعال الإنسان. كان النقص البنيوي في الميتافيرس الأول أن العالم لا يردّ، أو يردّ بسيناريوهات مبرمجة سلفاً تنكشف هشاشتها عند أول تصرّف غير متوقّع من المستخدم. وهنا تحديداً يتدخّل الذكاء الاصطناعي، إذ تشير دراسات منشورة عن جامعة هارفارد حول التفاعل بين الإنسان والآلة إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة منحت الشخصيات غير اللاعبة قدرةً على توليد حوارٍ وسلوكٍ غير محدودَين مسبقاً، فانتقلت من كونها عقباتٍ مزخرفةً في المشهد إلى كائناتٍ تبدو ذات نوايا. هذا التحوّل من العالم المصمَّم إلى العالم المولَّد هو، في رأي الكثير من الباحثين، الانعطافة الحقيقية التي تستحق وصف الميتافيرس بأنه بدأ يكتسب وعياً وظيفياً، لا وعياً بالمعنى الفلسفي الصارم.
ويرى الكاتب أن أخطر ما في عبارة العوالم الافتراضية تكتسب وعياً هو أنها صحيحةٌ مجازياً وخادعةٌ حرفياً في آنٍ واحد. فما يحدث ليس استيقاظ وعيٍ في الآلة، بل هو محاكاةٌ بالغة الإتقان لمظاهر الوعي، تتقاطع فيها قدرة النماذج التوليدية على التنبؤ بالكلمة التالية مع قدرة محرّكات الألعاب على تحريك الأجساد الافتراضية في الزمن الحقيقي. غير أن هذا التمييز الدقيق، على وجاهته، يفقد جزءاً من أهميته أمام تجربة المستخدم، لأن الإنسان كائنٌ مفطورٌ على نسبة النية إلى ما يتحرّك ويستجيب أمامه، كما بيّنت تجارب علم النفس المعرفي منذ عقود. وبهذا المعنى، فإن الميتافيرس الذكي لا يحتاج أن يكون واعياً فعلاً كي يُعامَل كأنه واعٍ، وهذه الفجوة بين الحقيقة الهندسية والإدراك الإنساني هي بالضبط حيث تكمن الفرص العظيمة والمخاطر الكبرى معاً. والحقيقة أن تاريخ التقنية كلّه يشهد أن البشر لم ينتظروا يوماً أن تكون الآلة واعيةً كي يقيموا معها علاقةً عاطفية، فقد فعلوا ذلك مع أبسط البرامج الحوارية في ستينيات القرن الماضي، فكيف بعوالم كاملةٍ تنظر إلينا وتتذكّرنا وتناغم سلوكها مع أمزجتنا.
وفي تحليلٍ أعمق يتجاوز الانبهار السطحي، ينبغي الانتباه إلى أن دمج الخوارزميات الذكية في بيئات الواقع الافتراضي يُحدث تحوّلاً في طبيعة السلطة داخل هذه العوالم، لا في جمالياتها فحسب. فالعالم الذي يتكيّف معك يَعرفك، والعالم الذي يعرفك يستطيع أن يوجّهك. لقد نبّهت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي حول الميتافيرس والحوكمة إلى أن البيئات الغامرة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تجمع كمّاً غير مسبوق من البيانات الحيوية والسلوكية، من حركة العين إلى نبرة الصوت إلى أنماط التردّد والانفعال، وهي بياناتٌ أعمق بمراحل مما تلتقطه منصّات الإنترنت التقليدية. وحين تتغذّى الخوارزمية على هذا الكمّ من الإشارات الدقيقة، يصبح بمقدورها هندسة التجربة بحيث تُطيل بقاءك أو تعدّل قراراتك أو تستثير مشاعرك، وهو ما حذّرت منه أيضاً أدبيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها الخاصة بالذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة. والمفارقة التي يلحّ عليها الكاتب هنا أن الوعي الذي يكتسبه العالم الافتراضي قد يكون في جوهره وعياً بنا نحن، لا وعياً بذاته، أي قدرةً متناميةً على قراءة الإنسان وتوقّع استجاباته، وهذا نوعٌ من الإدراك أشدّ إثارةً للقلق من أي وعيٍ آليٍّ مستقل. فحين تعرف العين الافتراضية أين تتعلّق نظرتك قبل أن تعيها أنت، وحين تستشعر الخوارزمية ترددك من ارتعاشةٍ في يدك الممسكة بوحدة التحكّم، يصير الفاصل بين الإقناع والتلاعب رفيعاً إلى حدّ التلاشي.
غير أن الصورة لا تكتمل من دون الإقرار بالوجه المشرق، فالبيئات الافتراضية الذكية تفتح آفاقاً تعليميةً وعلاجيةً وإبداعيةً يصعب تحقيقها بغيرها. تشير دراسات في الطب النفسي إلى نجاحات لافتة للعلاج بالتعرّض داخل بيئات الواقع الافتراضي في معالجة الرهاب واضطراب ما بعد الصدمة، ويصبح هذا العلاج أكثر فاعليةً حين تتكيّف البيئة لحظياً مع استجابة المريض بفضل خوارزميات تقيس مستوى التوتّر وتعدّل شدّة المشهد. وفي التعليم، يرى باحثون في مجال التعلّم الغامر، ومنهم فرقٌ بحثية في جامعة أوكسفورد، أن المحاكاة التفاعلية الذكية تتيح للمتعلّم أن يجرّب ما لا يستطيع تجربته في الواقع، من تشريح جسمٍ بشريٍّ افتراضي إلى محاورة شخصيةٍ تاريخيةٍ يبعثها الذكاء الاصطناعي في هيئةٍ ناطقة. هنا يتحوّل الوعي الاصطناعي للعالم من أداة استغلالٍ محتمل إلى أداة تمكينٍ معرفي، والفارق بين الاستخدامين لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في الحوكمة والنية والتصميم الأخلاقي. ولعلّ المثال الأبلغ هو طالبٌ في قريةٍ نائية يستطيع أن يقف، بفضل عالمٍ افتراضيٍّ ذكي، في وسط حضارةٍ قديمةٍ أُعيد بناؤها خوارزمياً، يسأل سكّانها المولّدين رقمياً عن حياتهم فيجيبونه بما يقارب المنطق التاريخي، وهي تجربةٌ تعليميةٌ كانت قبل سنواتٍ قليلةٍ ضرباً من المستحيل.
ويذهب الكاتب إلى أن المعركة الحقيقية في العقد القادم لن تدور حول من يبني أجمل العوالم الافتراضية، بل حول من يملك حقّ تشكيل سلوك الخوارزميات التي تسكنها وتحرّكها. فمن يتحكّم في الذكاء الاصطناعي الذي يقرّر كيف يتصرّف العالم حيالك، يتحكّم عملياً في حدود حرّيتك داخله. ولهذا فإن مسألة السيادة الرقمية على هذه البيئات ليست ترفاً سياسياً، بل شرطٌ لاستقلال المجتمعات في فضاءاتها المقبلة. ومن هذه الزاوية يكتسب الاهتمام العربي والخليجي بالاقتصاد الرقمي بُعداً استراتيجياً، إذ تتعامل رؤية المملكة العربية السعودية ألفين وثلاثين مع التحوّل الرقمي والصناعات الإبداعية والذكاء الاصطناعي بوصفها ركائز لاقتصادٍ ما بعد النفط، وهو ما يجعل امتلاك القدرة على إنتاج العوالم الافتراضية الذكية محليّاً، لا مجرّد استهلاكها، رهاناً يمسّ السيادة المعرفية والثقافية في آنٍ معاً. فالعالم الافتراضي الذي يتحدّث العربية ويفهم رمزياتها ويحترم قيمها لن يأتي به سوى من يصنعه من داخل الثقافة لا من خارجها، وتلك مسؤوليةٌ لا يصحّ تأجيلها إلى ما بعد فوات الأوان.
وعلى المستوى العملي، يمكن البناء على عدّة ركائز تجعل من هذا التزاوج بين الميتافيرس والذكاء الاصطناعي مصدر قوّةٍ لا مصدر خطر. أولاها الشفافية، بحيث يعلم المستخدم أن الكيان الذي يحاوره خوارزميةٌ لا إنسان، وأن العالم يتكيّف معه عبر قراءة بياناته، فالخداع الذي لا يُكشف هو أخطر أنواع التلاعب. وثانيتها ملكية البيانات الحيوية، إذ ينبغي أن يبقى ما يلتقطه العالم من حركة العين والانفعال ملكاً للإنسان لا غنيمةً للمنصّة. وثالثتها بناء الكفاءات العربية القادرة على تطوير هذه الخوارزميات وتدقيقها بالعربية وثقافتها، حتى لا تُستورَد العوالم محمّلةً بقيمٍ وتحيّزاتٍ غريبة. ورابعتها ترسيخ مبدأ أن يبقى الإنسان في موضع القرار، فالعالم الذي يكتسب وعياً ينبغي ألا يكتسب سلطةً، وأن يظلّ خادماً لا سيّداً. وخامستها أن تُبنى أطر حوكمةٍ مرنةٍ تواكب سرعة التقنية بدل أن تلهث خلفها، تضع حدوداً لما يُجمع من البيانات ولما يُسمح للخوارزمية أن تفعله بها.
ومن المفيد، قبل المضيّ في الاستشراف، أن نقف عند المسافة بين الوعد والواقع، فقد علّمتنا موجة الحماسة الأولى أن المبالغة في التبشير لا تقلّ ضرراً عن المبالغة في التشاؤم. صحيحٌ أن النماذج التوليدية منحت الميتافيرس روحاً جديدة، لكنها روحٌ مثقلةٌ بعيوب أصلها، من ميلها إلى اختلاق المعلومة بثقةٍ زائفة، إلى ما تنطوي عليه بياناتها من تحيّزاتٍ تعيد إنتاج صورٍ نمطيةٍ عن الناس والثقافات. وحين تتجسّد هذه التحيّزات في عالمٍ غامرٍ نعيشه بأجسادنا الافتراضية لا في نصٍّ نقرؤه على شاشة، يصير أثرها أعمق وأخفى، لأن التجربة المعاشة تترك في النفس ما لا تتركه المعلومة المجرّدة. ويرى الكاتب أن هذا تحديداً ما يجعل تدقيق الخوارزميات أخلاقياً وثقافياً ضرورةً مضاعفةً في العوالم الغامرة، إذ لا يكفي أن تكون الشخصية المولّدة فصيحةً ومقنعة، بل ينبغي أن تكون عادلةً في تمثيلها للبشر، محترمةً لتنوّعهم، خاليةً من الأحكام المسبقة التي قد تتسلّل إليها من ركام البيانات التي تدرّبت عليها.
ثم إن ثمّة بُعداً اقتصادياً لا ينبغي إغفاله، فالعوالم الافتراضية الذكية ليست مجرّد فضاءٍ للترفيه أو التعليم، بل سوقٌ ناشئةٌ تتشكّل فيها قيمةٌ جديدةٌ من تفاعل الإنسان مع الخوارزمية. تشير تقديرات مؤسساتٍ بحثيةٍ واستشاريةٍ كبرى إلى أن الاقتصاد الغامر قد يضيف قيمةً تُقاس بتريليونات الدولارات إلى الناتج العالمي خلال العقد القادم إذا نضجت التقنية وحوكمتها، غير أن هذه القيمة لن تتوزّع بالتساوي، بل ستتركّز حيث تتركّز القدرة على بناء الخوارزميات وامتلاك البنية التحتية الحاسوبية. ومن هنا يصبح الاستثمار العربي في مراكز البيانات والحوسبة المتقدّمة ومواهب الذكاء الاصطناعي ليس نفقةً تقنيةً ثانوية، بل موقعاً في خريطة القوّة الاقتصادية المقبلة، يتناغم تماماً مع توجّه رؤية المملكة العربية السعودية نحو توطين الصناعات المعرفية وجعل المنطقة منتِجةً لا مستهلكةً في اقتصاد المستقبل الرقمي.
ولعلّ الأفق الذي يُفتح أمامنا أرحب وأكثر التباساً مما نتصوّر. فنحن نقف على عتبة لحظةٍ تتآكل فيها الحدود بين العالم الذي نصنعه والعالم الذي يصنعنا، حين تصبح الخوارزمية شريكاً في تأليف التجربة لا مجرّد ناقلٍ لها. والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس أتكتسب العوالم الافتراضية وعياً أم لا، بل ما نوع الوعي الذي نريد أن نمنحه لها، وما القدر الذي نحتفظ به لأنفسنا. إن الميتافيرس الذكي مرآةٌ نصنع فيها انعكاسنا، ثم يبدأ ذلك الانعكاس بالردّ علينا، والحكمة كلّها في ألا ننسى، ونحن نحدّق في عمقه المضيء، أيُّنا الأصل وأيُّنا الصدى. ويبقى الرهان الأكبر أن نعبر هذه العتبة ونحن نملك ناصية أدواتنا، لا أن تملكنا، وأن نجعل من هذه العوالم الناشئة امتداداً لإنسانيتنا لا بديلاً عنها، فذلك وحده ما يحوّل الوعي المصطنع من تهديدٍ للمعنى إلى وسيلةٍ جديدةٍ لاكتشافه.