شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

المهن المنقرضة والمهن الصاعدة

ماذا لو كان الخطر الأكبر على وظيفتك ليس أن يحلّ محلّك روبوت، بل أن يحلّ محلّك إنسانٌ آخر يُجيد استخدام الذكاء الاصطناعي بينما أنت لا تزال تتفرّج عليه من بعيد؟ هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، يقلب المعادلة التي ألِفناها طوال عقد كامل، إذ ظللنا نتخيّل المستقبل بوصفه مواجهةً بين البشر والآلات، فإذا به في حقيقته منافسةٌ بين بشرٍ تسلّحوا بالأدوات وبشرٍ تأخّروا عنها. ومن هنا تحديداً ينبغي أن تبدأ أيّ قراءة جادّة لسوق العمل ونحن نقترب من أفق عام ألفين وثمانية وعشرين. فالموجة لم تعد قادمةً في المستقبل البعيد كي نستعدّ لها على مهل، بل هي تتشكّل الآن في مكاتبنا وفصولنا الدراسية وخطوط إنتاجنا، ومن يتعامل معها بوصفها نبوءةً مؤجّلة سيستيقظ ذات صباح ليجد أنّ قطار التحوّل قد غادر المحطّة من دونه.

لقد دأبت الأدبيات الاقتصادية على تقسيم أثر التقانة في العمالة إلى ثلاثة مسارات: الإحلال الذي يبتلع المهام، والتكامل الذي يرفع إنتاجية العامل، والخلق الذي يولّد وظائف لم تكن موجودة. وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي في سلسلته عن مستقبل الوظائف إلى أنّ موجة التحوّل الراهنة ستُعيد تشكيل ملايين الأدوار خلال سنوات قليلة، وأنّ صافي الأثر قد يكون إيجابياً من حيث العدد، غير أنّ هذا الصافي يُخفي خلفه اضطراباً هائلاً في التوزيع، فالوظائف التي تختفي ليست هي نفسها التي تُولد، والأشخاص الذين يفقدون مواقعهم ليسوا بالضرورة المؤهّلين لشغل ما ينشأ. وهنا يكمن جوهر الأزمة التي لا يُجيد الخطاب المتفائل ولا الخطاب المتشائم وصفها بدقّة، إذ يكتفي المتفائل بالإشارة إلى صافي الأرقام، ويكتفي المتشائم بالإشارة إلى أرقام الفقد، بينما تضيع بين الفريقين قصّة الإنسان الفرد الذي يقف على خطّ التماس بين عالمٍ يأفل وآخر يطلع.

ولأنّ الدقّة فضيلة، فلنتأمّل ما تقوله الدراسات الرصينة لا الشعارات. خلص باحثون في جامعة أوكسفورد، في عمل صار مرجعاً متداولاً، إلى أنّ شريحة واسعة من الوظائف معرّضة بدرجات متفاوتة للأتمتة، لكنّ القراءة المتأنّية لذلك العمل ولِما تلاه من نقد تكشف أنّ القابلية للأتمتة تكون على مستوى المهمة لا على مستوى الوظيفة كاملة، فالوظيفة الواحدة حزمة من مهام، بعضها يُؤتمت وبعضها يستعصي. وقد طوّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه الفكرة حين قدّرت أنّ نسبةً أصغر مما رُوّج لها من الوظائف معرّضة للأتمتة الكاملة، في حين أنّ شريحةً أكبر بكثير ستشهد تحوّلاً جزئياً في تركيبة مهامها. هذا التمييز ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو البوصلة العملية، لأنّه ينقلنا من سؤال هل ستختفي مهنتي إلى سؤال أعمق: أيّ أجزاء من عملي ستتغيّر، وكيف أُعيد تعريف قيمتي حين تتغيّر؟ فمن يفهم أنّ مهنته ليست كتلةً صمّاء بل تركيبةٌ من مهام متفاوتة في هشاشتها، يستطيع أن يتموضع بذكاء حيث تقلّ المنافسة مع الآلة وتعلو قيمته الإنسانية.

أمّا الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً لم يكن في الحسبان. فبينما اعتدنا أن نظنّ المهن اليدوية والروتينية هي الأكثر هشاشةً، جاءت موجة النماذج اللغوية الكبيرة لتطال المهام المعرفية والإبداعية التي كنّا نحسبها حصناً بشرياً منيعاً: الكتابة، والترجمة، والبرمجة الأوّلية، والتصميم، والتحليل القانوني التمهيدي. وقد أظهرت دراسة تعاون فيها باحثون من جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية، أُجريت على مراكز خدمة العملاء، أنّ مساعدةً قائمةً على الذكاء الاصطناعي رفعت إنتاجية الموظفين بنسبة لافتة، وأنّ المستفيد الأكبر كان العامل الأقلّ خبرةً والأحدث عهداً، إذ ضيّقت الأداة الفجوة بينه وبين الخبير. وهذه نتيجة تستحقّ التوقّف، لأنّها تقلب حدسنا المعتاد: الأداة لم تكافئ الخبرة المتراكمة بقدر ما عوّضت نقصها، ممّا يطرح سؤالاً مقلقاً عن مصير علاوة الخبرة في كثير من المهن. فإذا كانت سنوات الخبرة الطويلة هي ما يبرّر فارق الأجر، فماذا يحدث حين تستطيع أداةٌ أن تنقل المبتدئ إلى مستوى الخبير في أسابيع؟ هذا التساؤل وحده يُعيد رسم خرائط القيمة في عشرات القطاعات.

شاطئ الجبيل يرى الكاتب أنّ الخطأ الأكثر شيوعاً في النقاش العربي والعالمي على السواء هو التعامل مع قائمة المهن المنقرضة والصاعدة كأنّها جدولٌ ثابت يُحفظ ويُتّبع. فالقوائم بطبيعتها متحرّكة، ومهنةٌ تبدو صاعدةً اليوم قد تتشبّع غداً حين يتدفّق إليها الجميع. الأجدى من حفظ القائمة هو فهم المنطق الكامن خلفها: ما الذي يجعل مهمةً قابلةً للأتمتة وأخرى عصيّةً عليها؟ القاعدة التي تتبلور من مجمل الأبحاث أنّ ما يُقاوم الأتمتة هو ما يجمع بين ثلاثة عناصر يصعب على الآلة محاكاتها مجتمعةً: الحكم في سياقات غامضة ومتغيّرة، والتعاطف والتفاعل الإنساني الأصيل، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية التي يتحمّلها فاعلٌ بشري بعينه. فالطبيب لن تختفي مهنته لأنّ التشخيص بات أدقّ بالخوارزميات، بل ستتغيّر، إذ يتحرّر من بعض العبء التقني ليتفرّغ لما لا تستطيعه الآلة: الطمأنينة، والقرار المعقّد، وتحمّل تبعته. وكذلك المعلّم والقاضي والقائد والمعالج النفسي، فكلّهم يمارسون مزيجاً من الحكم والعلاقة والمسؤولية لا يقبل الاختزال في خوارزمية مهما بلغت دقّتها.

شاطئ الجبيل وحين ننقل هذا التحليل إلى سياقنا العربي، تتّضح مفارقةٌ تستحقّ التأمّل. فالاقتصادات التي لم تُكمل أتمتتها الصناعية الأولى تجد نفسها مدعوّةً إلى القفز مباشرةً نحو موجة الذكاء الاصطناعي، وهذه القفزة قد تكون نقمةً إن وجدت قوى عاملة غير مهيّأة، وقد تكون نعمةً إن أحسنّا استثمار غياب الإرث الثقيل من البنى القديمة. ورؤية السعودية ألفين وثلاثين تقدّم في هذا الباب نموذجاً يستحقّ القراءة المتأنّية، إذ تربط التحوّل الاقتصادي بتنمية رأس المال البشري وبتوطين الصناعات المعرفية، وتراهن على تحويل القوة العاملة الشابّة من مستهلكة للتقانة إلى منتجةٍ لها. غير أنّ يرى الكاتب أنّ الرهان الحقيقي ليس في عدد المبرمجين الذين نُخرّجهم، بل في قدرتنا على غرس ما يمكن تسميته العقلية التكيّفية، أي الاستعداد الدائم لإعادة تعلّم المهنة كلّ بضع سنوات، لأنّ نصف المهارات التقنية صار عمره الافتراضي قصيراً إلى حدّ مقلق. فالشهادة التي حصّلها الشابّ اليوم لن تكون جواز سفره مدى الحياة كما كانت لأجداده، بل وثيقةً مؤقّتةً تحتاج إلى تجديد مستمرّ.

ولعلّ المهن الصاعدة الأجدر بالانتباه ليست تلك التي تحمل ألقاباً برّاقة مرتبطةً مباشرةً بالتقانة، بل المهن الهجينة التي تزاوج بين خبرة قطاعية عميقة وطلاقةٍ في أدوات الذكاء الاصطناعي. فالمحلّل المالي الذي يُتقن مساءلة النماذج، والمعلّم الذي يصمّم تجارب تعلّم معزّزة بالذكاء الاصطناعي، والمسوّق الذي يقرأ البيانات ويترجمها إلى سرديّة إنسانية، والمهندس الذي يوجّه الأنظمة بدل أن ينافسها، هؤلاء جميعاً يجسّدون الموجة الحقيقية. والمفارقة أنّ المهارات الأكثر طلباً في عالم الآلات هي الأكثر إنسانيةً: التفكير النقدي، والتواصل، والذكاء العاطفي، والقدرة على التعلّم المستمرّ. وتؤكّد أبحاث المنتدى الاقتصادي العالمي نفسها أنّ هذه المهارات الإنسانية تتصدّر قوائم الكفاءات المطلوبة جنباً إلى جنب مع الإلمام الرقمي، ممّا يدحض الوهم القائل إنّ النجاة محصورةٌ في إتقان البرمجة وحدها.

فما العمل إذن على المستوى الفردي والمؤسسي؟ تتبلور من هذا التحليل ركائز عملية لا تُقدّم بوصفها وصفات سحرية بل بوصفها مبادئ توجيهية. الركيزة الأولى أن تنتقل من منطق إتقان المهنة إلى منطق إتقان التعلّم، فالميزة التنافسية لم تعد فيما تعرفه بل في سرعة اكتسابك لما لا تعرفه. الركيزة الثانية أن تتموضع في المنطقة التي يتكامل فيها الإنسان مع الآلة لا في المنطقة التي يتنافسان عليها، أي أن تسأل دائماً: ما الذي أُضيفه أنا ولا تُضيفه الأداة؟ الركيزة الثالثة أن تبني محفظةً من المهارات المركّبة عابرةً للتخصّصات، لأنّ الندرة والقيمة تكمنان في التقاطعات النادرة لا في التخصّص الضيّق المعرّض للأتمتة. الركيزة الرابعة، وهي مؤسسية بامتياز، أن تتحوّل المنظمات من سياسة التوظيف والاستغناء إلى ثقافة إعادة التأهيل المستمرّ، فالاستثمار في تطوير العاملين الحاليين أرخص وأكثر ولاءً من السباق الدائم وراء المواهب النادرة في سوق متعطّش.

وتبقى ركيزةٌ خامسة كثيراً ما تُهمَل في خضمّ الحماس التقني، وهي الحوكمة والبُعد الأخلاقي. فمع انتشار الأدوات تتعاظم الحاجة إلى من يضبط استخدامها، ويُراجع تحيّزاتها، ويحمي خصوصية الأفراد، ويتحمّل مسؤولية قراراتها. وهذا في ذاته حقلٌ مهنيٌّ صاعد لم يُعطَ حقّه بعد في تصوّراتنا عن المستقبل، إذ سيحتاج كلّ قطاع إلى من يُجيد الموازنة بين كفاءة الآلة وكرامة الإنسان، وبين سرعة القرار وعدالته.

ويرى الكاتب أنّ ثمّة بُعداً نفسياً واجتماعياً نادراً ما يُلتفت إليه في هذا النقاش، وهو أنّ القلق من الأتمتة قد يكون في ذاته أشدّ ضرراً من الأتمتة نفسها، إذ يدفع كثيرين إلى الجمود والإنكار بدل المبادرة والتكيّف. فالعامل الذي يستسلم لليأس المسبق يُعجّل بانقراض مهنته بيديه، بينما العامل الذي يرى في كلّ أداة جديدة فرصةً لمضاعفة أثره يصنع لنفسه موقعاً لم يكن قائماً من قبل. ولهذا فإنّ أوّل ما ينبغي إصلاحه ليس المهارة بل العلاقة النفسية مع التغيير ذاته، فالعقل الذي يستقبل الجديد بفضولٍ لا بخوف هو رأس مال القرن المقبل الحقيقي. وتُذكّرنا التجارب التاريخية، من الثورة الصناعية إلى ثورة الحوسبة الشخصية، بأنّ المجتمعات التي ازدهرت لم تكن أكثرها تقانةً بالضرورة، بل أكثرها قدرةً على إعادة توزيع المهارات وإعادة تأهيل أبنائها قبل فوات الأوان.

ولعلّ أصدق ما يُختم به القول إنّ المستقبل ليس قدراً ينتظرنا بل خيارٌ نصنعه. فالأتمتة ليست قوةً مستقلّةً تفرض إرادتها، بل هي انعكاسٌ للقرارات التي نتّخذها في التعليم والتشريع وتصميم العمل وتوزيع المكاسب. والسؤال الذي ينبغي أن يؤرّقنا ليس متى ستصلنا الموجة، فقد وصلت، بل أيّ نوع من المجتمعات نريد أن نكون حين تنحسر: مجتمعاً قسّمته التقانة إلى قلّةٍ تملك الأدوات وكثرةٍ تخدمها، أم مجتمعاً وزّع ثمارها بعدلٍ وحوّل التهديد إلى فرصة. إنّ المهن لا تنقرض ولا تصعد من تلقاء نفسها، بل نحن من يدفعها في هذا الاتجاه أو ذاك بما نتعلّمه اليوم، وبما نُهمله، وبما نجرؤ على إعادة تخيّله. ومن يقرأ هذا الأفق مبكّراً، ويبدأ من نفسه قبل أن ينتظر مؤسسته أو حكومته، فهو وحده من سيكتب اسمه في قائمة الصاعدين لا المنقرضين.