شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الفن والأدب الكلاسيكي في مرآة الذكاء الاصطناعي

هل يستطيع من لم يعرف الحبّ ولا الفقد ولا نشوة النصر أن ينظم على بحر الطويل قصيدةً تهزّ الوجدان؟ تلك هي المفارقة التي تضعنا فيها آلةٌ صارت تحاكي بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي فلا يكاد يند عن وزنها تفعيلة، وتقفّي القصيدة فلا يفلت منها رويّ، ثم لا تعرف من الشعر إلا هندسته العَروضية المجردة من كل ما يجعل الشعر شعراً. فالنماذج التوليدية باتت تصوغ على الكامل والوافر والبسيط أبياتاً سليمة الوزن، تخدع الأذن غير المدققة، لكنها تبني صرحاً عَروضياً أجوف، تماثلاً صوتياً بلا انفعال يسري تحته، وإيقاعاً منضبطاً لا تنبض خلفه تجربةٌ إنسانية.

وفي هذه القسمة الدقيقة بين أن يحاكي الوزن وأن يولد المعنى يكمن السؤال الذي يتهرب منه المبهورون بالتقنية: هل تحفظ الآلة شعرنا أم تفرّغه من روحه فتعيده إلينا قشرةً مصقولة بلا لُبّ؟ والخطر ليس في أن تعجز الآلة عن العروض، فقد أتقنته على نحوٍ مذهل، بل في أن تتقن صورته الظاهرة فتوهم الناشئ أن الشعر صناعة أوزانٍ تُحسَب، لا اختلاجة روحٍ تُحسّ، فيُستبدَل بالقصيدة جدولُ تفعيلاتٍ منمّق.

ولفهم جذر المعضلة ينبغي أن نعي كيف تتعامل هذه النماذج مع البحر الشعري. فهي لا تتذوق الإيقاع كما يتذوقه قارئٌ للمتنبي يطرب لجرس الكلمة قبل أن يعي معناها، بل تحلّل القصائد إلى متتالياتٍ من الحركات والسكنات، وتستنبط منها أنماطاً إحصائية لتوالي المقاطع. وقد أوضحت أدبيات مختبر علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتقنية أن جوهر هذه النماذج قائمٌ على التنبؤ بالوحدة الأرجح في سياقها، لا على الفهم بمعناه الإنساني. والبحر الشعري، من حيث هو بنيةٌ رياضية صارمة، يلائم هذه الآلية ملاءمةً تامة، إذ إن العروض في أصله نظامٌ كمّي قابل للترميز، حتى إن الفراهيدي نفسه حين وضع علم العروض كان يقارب الشعر مقاربةً شبه حسابية بدوائره الخمس. ولهذا يرى الكاتب أن سهولة محاكاة الآلة للوزن ليست دليلاً على فهمها للشعر، بل دليلٌ على أن الوزن هو أيسر ما في الشعر وأبعده عن سرّه، فالآلة تتقن المقيس وتعجز عن المُلهَم، وتظفر بالقالب وتخفق في الجوهر.

وثمة بُعدٌ أعمق نادراً ما يُلتفت إليه، وهو أن إتقان الآلة للوزن قد يكشف لنا، على نحوٍ معكوس، حقيقة العلاقة بين الشكل والمضمون في الشعر العربي. فطالما ظن بعضهم أن إحكام البحر دليل الشاعرية، فجاءت الآلة لتفضح هذا الوهم، إذ صار بمقدور خوارزميةٍ بلا وجدان أن تنتج ما لا يفرّقه السامع العجول عن منظوم الشعراء. وقد دأب تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر سنوياً عن جامعة ستانفورد على توثيق تفوق النماذج في المهام ذات البنية الواضحة القابلة للقياس، مع بقاء الإبداع الأصيل عصياً على المحاكاة. ويرى الكاتب أن في هذا درساً نقدياً بليغاً: أن الآلة حين تتقن العَروض إنما تردّ إلينا الشعر مجرداً من بلاغته، فتعرّفنا بالسلب ما هو الشعر حقاً، إذ ما تعجز الآلة عن بلوغه هو عينُ ما يستحق اسم الشعر. فكأنها مرآةٌ تكشف لنا أن جلال القصيدة لم يكن قطّ في انضباط تفعيلاتها، بل في ذلك الفائض المعنوي الذي ينعقد بين الكلمات ولا تطاله القسمة العروضية.

شاطئ الجبيل والرؤية السائدة تطمئن إلى أن هذه القدرة المحاكية تهدد الموروث الشعري وتنذر بإغراق الذائقة بسيلٍ من النظم الزائف. ويخالف الكاتب هذا التهويل، إذ ليست المسألة منافسةً بين شاعرٍ وخوارزمية، فالقصيدة الحية لم تُكتب يوماً لتنجو من مزاحمة، بل كُتبت لتقول ما لم يُقَل. وقد نبّهت أبحاثٌ في جامعة أوكسفورد حول الإبداع الحاسوبي إلى أن الآلة تمتاز في إعادة التركيب ضمن أنماطٍ معروفة، وتقصر عن الانزياح الخلّاق الذي يخرق المألوف. والشعر العربي العظيم، من امرئ القيس إلى أبي تمام، إنما قام على هذا الانزياح، على المفاجأة في الصورة والجدّة في المعنى، وهي بضاعةٌ لا تُستنبط من معدّل البيانات السابقة، لأنها بطبيعتها خروجٌ عليها. ولهذا فإن الآلة التي تتغذى على ما قيل محكومةٌ ببنية ماضوية، تجيد اجترار المتاح وتعجز عن ابتكار البِكر، فهي أبداً تلميذ النصوص لا أستاذها.

شاطئ الجبيل ولا يفوتنا أن نشير إلى مفارقةٍ خفية في خطاب من يهوّلون من خطر الآلة على الأدب. فهم يقيسون التهديد بمعيار قدرة الآلة على إنتاج نصٍّ يشبه الشعر، وهذا مقياسٌ قاصر، لأن الشعر لم يكن يوماً نصاً يشبه الشعر، بل تجربةً إنسانية تتجسد في كلمات. فالنموذج قد يصوغ بيتاً سليم الوزن قويم القافية، لكنه بيتٌ لا أبٌ له ولا سياق، لم ينبثق من ألمٍ ولا فرح، ولا يحمل من صاحبه بصمةً تميّزه. وقد أشارت أبحاثٌ في كلية هارفارد للأعمال إلى أن القيمة الحقيقية لهذه التقنية لا تكمن في الأداة ذاتها بل في حصافة من يوظّفها، فالأداة الواحدة قد تبتذل فناً في يدٍ وتثريه في أخرى. ويرى الكاتب أن ما يميّز الأثر الأدبي ليس مطابقته لقواعد الجنس الأدبي، بل أصالته ونسبته إلى ذاتٍ مبدعة عاشت وتألمت واختبرت، فالقصيدة وثيقة وجود قبل أن تكون وثيقة وزن. ومن هنا فإن أعمق ما يهدد الإرث الأدبي ليس قدرة الآلة على تقليده، بل استعدادنا نحن للاكتفاء بالتقليد عن الأصل.

ولا ينبغي أن يُفهم من هذا تشاؤمٌ يدعو إلى مقاطعة الأداة، فذلك خطأ معاكس لا يقل ضرراً. فالذكاء الاصطناعي نفسه يحمل في طياته أعظم فرصةٍ لخدمة التراث الأدبي العربي لو أحسنّا توجيهه. فبه يمكن تحقيق دواوين الشعر القديم وفهرستها وتحليل بحورها على نطاقٍ لم يحلم به جيلٌ من المحققين، وبه يمكن كشف المنحول من المنسوب وتأريخ النصوص عبر بصماتها الأسلوبية، وبه نضع بين يدي دارس العروض معملاً تفاعلياً يقطّع له البيت ويبيّن زحافاته وعلله. وقد أشارت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التقنيات التوليدية تبلغ ذروة نفعها حين تتكامل مع الخبرة البشرية لا حين تحلّ محلها. ويرى الكاتب أن الأدب العربي أمام مفترقٍ مصيري: إما أن نجعل الآلة خادماً للتراث يحفظه ويحلله ويقرّبه للأجيال، وإما أن نتركها سيداً يفرض علينا ركاكةً منظومة تُزاحم الأصيل. والفرق بين المصيرين لا تصنعه التقنية، بل يصنعه وعي أهل الأدب بقيمة ما يملكون وجرأتهم على تطويع الأداة لا الخضوع لها.

وإذا انتقلنا من التشخيص إلى الركائز العملية، فأولها بناء مدوّناتٍ شعرية رقمية محقّقة عالية الجودة، تُضبط أوزانها وتُوثّق رواياتها، لتكون مرجعاً للتحليل والتعليم لا غذاءً للتقليد الأعمى. وثانيها تطوير أدواتٍ تحليلية عربية أصيلة، تتجاوز رصد الوزن إلى مقاربة الأسلوب والصورة والمعجم الشعري، تُبنى على خصائص العربية لا مستوردةً من معمارٍ صُمّم للغاتٍ أخرى. وثالثها ترسيخ تربيةٍ نقدية تعلّم الناشئ التمييز بين النظم والشعر، وبين البيت الموزون والبيت الموحي، حتى لا تخدعه سلامة التفعيلة عن خواء التجربة. ورابعها توظيف الآلة في خدمة المحققين والباحثين، تكشف لهم العلل وتيسّر المقارنة وتسرّع الفهرسة، فتتفرغ العقول البشرية للحكم والتذوق. وخامسها صون مكانة الشاعر بوصفه شاهداً على عصره لا منافساً لخوارزمية، فقيمة الشعر في نسبته إلى إنسانٍ اختبر الحياة، وهي قيمةٌ لا تنتجها آلةٌ مهما أتقنت المحاكاة. وهذه الركائز يشدّ بعضها أزر بعض، فلا تنفع الأدوات دون وعيٍ نقدي يوجّهها، ولا يُجدي الوعي دون أدواتٍ تخدمه.

وهذه الركائز ليست أمنياتٍ معلّقة في فراغ، فالسياق العربي الراهن يتيح لها أرضاً خصبة. فرؤية المملكة العربية السعودية 2030 جعلت من إحياء الموروث الثقافي وصون الهوية العربية ركيزةً حضارية، وتجلّى ذلك في عنايةٍ بالشعر العربي بوصفه ديوان الأمة، وفي مبادراتٍ لرقمنة التراث وتمكين العربية في تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويرى الكاتب أن في هذا التوجه نقلةً من موقع المتلقي الذي تُصاغ أدواته في غير دياره إلى موقع الصانع الذي يطوّع التقنية لخدمة موروثه. فالأمة التي تبني أدوات تحليل شعرها بنفسها تفرض على الآلة منطق ذائقتها، والأمة التي تنتظر أن يصنع لها الغير تلك الأدوات تُقرأ قصائدها بمنطقٍ غريبٍ عنها. وما أحوج الفضاء العربي إلى تكامل جهود الجامعات ومجامع اللغة والمؤسسات الثقافية وشركات التقنية في مشروعٍ جامع يحفظ الإرث ويطوّره، فالعمل المتفرق لا يصمد أمام منظومةٍ عالمية تتقدم بخطى متسارعة.

ويبقى البعد الجمالي والوجودي هو المعركة الأصعب والأكثر إغفالاً. فقد تبلغ الآلة يوماً غاية الإتقان في محاكاة البحور وتوليد القوافي، لكن يظل السؤال قائماً: هل يستطيع نظمٌ بلا تجربة أن يكون شعراً؟ إن الشعر العربي في جوهره شهادةٌ على الوجود، صرخةٌ في وجه الفناء، تثبيتٌ للحظةٍ عابرة في كلماتٍ باقية، وهذه كلها معانٍ لا تنبع إلا من كائنٍ يعرف أنه يموت. ويرى الكاتب أن أقصى ما تبلغه الآلة هو الوزن، أما الشعر فيبقى حكراً على من حمل تجربة الحياة فحوّلها جمالاً. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن نرضى بالمحاكاة بديلاً عن التجربة، فنربّي أجيالاً تحسب الأدب لعبة أنماطٍ تُركّب، فتفقد القدرة على أن تنفعل ببيتٍ صادق أو تنتشي بصورةٍ بكر.

والخلاصة التي يفتح بها الكاتب أفقاً لا يغلقه أن الإرث الأدبي العربي لن يُهزَم من الآلة، بل قد يُهزَم من تخاذل أهله عن صون روحه في زمن الآلة. فالتقنية محايدةٌ في جوهرها، تحفظ ما نأمرها بحفظه وتبتذل ما نأذن لها بابتذاله، والمسؤولية تعود إلينا لا إليها. فإن جعلناها مرآةً تكشف جلال شعرنا أعادت إلينا تراثاً حياً، وإن تركناها تنتج نظماً زائفاً يزاحم الأصيل أغرقتنا في فيضٍ بلا روح. والرهان الأكبر أن نجعل من الذكاء الاصطناعي خادماً لجمال الأدب العربي لا منافساً يزيّفه، وعدسةً تكبّر فينا تقدير ما لا تقدر الآلة على بلوغه. فالأمم التي تصون آدابها تصون ذاكرتها وروحها، والأمم التي تفرّط فيها تُمحى من الداخل وإن بقيت أجسادها قائمة. ويبقى أن الآلة ستحاكي ما نوليها إياه، فلنُولِها من تراثنا ما يجعلها تكشف جلاله، فمن صان جمالاً صانه الزمن، ومن استرخص أدبه لم يلُم إلا نفسه إذا استرخصه الناس من بعده.