شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الفجوة الرقمية

ما الذي يجعل قرويةً في إقليمٍ نائٍ بجنوب آسيا، لا تملك من العالم إلا هاتفاً مستعاراً وشبكةً تتقطّع، أبعدَ عن ثمار الذكاء الاصطناعي من مهندسٍ في وادي السيليكون يفصله عنها نصف الكرة الأرضية؟ المفارقة أنّ التقنية التي بُشّرنا بأنها ستسوّي الملعب وتمنح الجميع فرصةً متكافئة، تكاد تكون أشدّ أدوات التاريخ قدرةً على ترسيخ التفاوت وتوريثه من جيلٍ إلى جيل. فالثورة التي نحتفي بها ليست ثورةً واحدة تشمل البشرية جمعاء، بل ثورتان متوازيتان: واحدةٌ يركبها من يملك البنية والمهارة ورأس المال، وأخرى يُلقى أصحابها على رصيف المحطة يشاهدون القطار يمضي دون أن يجدوا إليه سبيلاً. والأدهى أنّ الفجوة هذه المرّة لا تكتفي بأن تباعد بين الأمم، بل تشقّ المجتمع الواحد نصفين، فتفصل في المدينة عينها بين حيٍّ يتنفّس المستقبل وحيٍّ يلوكه الحاضر دون أن يبلغه.

ولكي نفهم عمق المسألة لا بدّ من تفكيك مفهوم «الفجوة الرقمية» ذاته، فقد ظنّ كثيرون لعقدٍ مضى أنّ الفجوة تُقاس بمن يملك اتصالاً بالإنترنت ومن لا يملكه، وأنّ مدّ الكابلات ونشر الأبراج كفيلان بإغلاقها. غير أنّ هذا التصوّر السطحيّ سقط أمام الواقع. فالاتحاد الدولي للاتصالات يقدّر أنّ نحو ثلث سكان الأرض ما زالوا خارج الشبكة كلياً حتى اليوم، بينما يكشف البنك الدولي في تقاريره عن التنمية الرقمية أنّ مجرّد الوصول لا يصنع تمكيناً، إذ يبقى ملايين «المتصلين» عاجزين عن تحويل اتصالهم إلى قيمةٍ اقتصادية أو معرفية حقيقية. ومن هنا يرى الكاتب أنّ الفجوة الرقمية تطوّرت في عصر الذكاء الاصطناعي من فجوة وصولٍ إلى فجوة قدرة؛ فلم يعد السؤال «هل أنت متصل؟» بل «ماذا تستطيع أن تصنع بما تتصل به؟»، وهو سؤالٌ أعمق بكثير وأعصى على الحلّ.

ولعلّ من المفيد هنا أن نميّز بين طبقاتٍ ثلاث للفجوة، يتداخل بعضها في بعض حتى ليصعب فكّها. فالطبقة الأولى فجوة الوصول، وهي أيسرها علاجاً وأكثرها وضوحاً، تتعلّق بوجود الجهاز والشبكة والكهرباء التي تشغّلهما. والطبقة الثانية فجوة الاستخدام، وهي ألصق بالمهارة، إذ لا تكفي ملكية الأداة ما لم يحسن صاحبها توظيفها في عملٍ أو تعلّمٍ أو إبداع. أمّا الطبقة الثالثة فهي الأخطر والأخفى: فجوة الإنتاج، وهي الهوّة الفاصلة بين من يصنع الخوارزمية ومن يكتفي بالخضوع لما تمليه عليه. وحين تجتمع الطبقات الثلاث في فردٍ واحد أو مجتمعٍ واحد، تتحوّل الفجوة من مسافةٍ يمكن قطعها إلى جدارٍ يصعب تسلّقه. ويرى الكاتب أنّ معظم السياسات العربية والعالمية ما زالت تعالج الطبقة الأولى وحدها، بينما تترك الطبقتين الأعمق نهباً للتراكم الصامت.

والحقيقة التي يغفل عنها خطاب التفاؤل التقني أنّ الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بأن يعكس التفاوت القائم، بل يضخّمه ويسرّع وتيرته. فالنماذج الكبرى تُدرَّب على بياناتٍ تنطق بالإنجليزية في معظمها، وتُبنى على بنيةٍ حاسوبيةٍ تتركّز في حفنةٍ من الدول، وتُموَّل برؤوس أموالٍ تتدفّق إلى المراكز ذاتها التي احتكرت التقنية منذ نشأتها. وقد رصدت دراساتٌ صادرة عن مختبرات ستانفورد ضمن تقريرها السنويّ عن مؤشر الذكاء الاصطناعي أنّ الفجوة بين الدول الرائدة وبقية العالم في الاستثمار والكفاءات البحثية تتّسع عاماً بعد عام لا تضيق. أمّا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فتحذّر من أنّ أتمتة المهام الروتينية ستضرب أوّل ما تضرب الوظائف منخفضة المهارة، وهي الوظائف التي يتركّز فيها الأضعف حظاً أصلاً. وهكذا تتشكّل حلقةٌ مفرغة: من يملك يزداد امتلاكاً، ومن حُرم يزداد حرماناً، والآلة تسرّع دوران الحلقة في الاتجاهين معاً.

شاطئ الجبيل ولا يقف الأمر عند حدود الاقتصاد، بل يمتدّ إلى صميم العدالة المعرفية. فحين تُدرَّب النماذج على نصوصٍ يكتبها فريقٌ بشريّ بعينه ويغيب عنها صوت الأطراف، فإنّ الآلة لا تتعلّم العالم كما هو، بل كما يراه من كتب بياناته. وقد نبّهت باحثاتٌ في جامعتي ستانفورد وأوكسفورد إلى أنّ هذا «التحيّز البنيويّ» يجعل النماذج أقدر على فهم سياقٍ ثقافيٍّ واحد، وأعجز عن إنصاف سواه، حتى ليغدو من تُكتب عنه أقلّ حظاً ممّن يَكتب. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في هذا التحيّز أنه لا يُرى بالعين المجرّدة؛ إذ يتسلّل إلى القرارات الصغيرة المتراكمة، من تقييم طلب قرضٍ إلى فرز سيرةٍ ذاتية، فيعيد إنتاج إقصاءٍ قديمٍ بثوبٍ خوارزميٍّ جديدٍ يبدو محايداً وهو ليس كذلك.

شاطئ الجبيل غير أنّ الرؤية السائدة، حين تتحدّث عن الفجوة، تقع في خطأين متلازمين يستحقّان النقد. أوّلهما اختزال المسألة في بُعدها المادّي، كأنّ توزيع الأجهزة ومدّ الشبكات يكفيان لردم الهوّة، بينما الفجوة الأخطر فجوةٌ معرفيةٌ وثقافية لا يسدّها عتاد. وثانيهما النظر إلى دول الجنوب بوصفها متلقّيةً سلبيةً تنتظر ما يُسقطه عليها الشمال من فتات التقنية. ويرى الكاتب أنّ هذين الخطأين يحجبان فرصةً تاريخية؛ فالدول التي تأخّرت في موجات التصنيع السابقة تملك اليوم ميزة «القفز فوق المراحل»، تماماً كما تجاوزت دولٌ نامية مرحلة الهواتف الأرضية لتقفز مباشرةً إلى المحمول. فليس مكتوباً على من تأخّر أن يكرّر مسار من سبقه خطوةً خطوة؛ بل قد يبني بنيته الرقمية على أحدث ما وصلت إليه التقنية دون أن يحمل أعباء البنى القديمة التي تثقل كاهل المتقدّمين.

ولهذا فإنّ الموقف العربيّ من هذه الثورة ينبغي ألّا يكون موقف المتفرّج القلق، بل موقف الفاعل المبادر. فالمنطقة تملك من المقوّمات ما يؤهّلها لموقعٍ متقدّم: سكانٌ شباب يشكّلون أخصب تربةٍ لاكتساب المهارات، ولغةٌ يتحدّث بها نحو أربعمئة مليون إنسان تستحقّ نماذج لغويةً تخدمها لا تهمّشها، ووفرةٌ في رأس المال تسمح ببناء البنية الحاسوبية التي يعجز غيرها عن تحمّل كلفتها. وفي هذا السياق تبرز رؤية المملكة العربية السعودية 2030 بوصفها نموذجاً لتحويل الثروة الناضبة إلى رأس مالٍ معرفيٍّ باقٍ، عبر الاستثمار في الحوسبة الفائقة وتوطين الكفاءات وإطلاق مبادراتٍ وطنيةٍ للذكاء الاصطناعي تستهدف أن تكون المنطقة منتجةً للتقنية لا مستهلكةً لها فحسب. ويرى الكاتب أنّ المعيار الحقيقي لنجاح هذه الرؤى ليس عدد المراكز التي تُفتتح ولا حجم الأموال التي تُضخّ، بل قدرتها على تخريج جيلٍ يصنع النموذج بنفسه بدل أن يكتفي باستيراده جاهزاً.

على أنّ جسر الهوّة لا يتحقّق بالتمنّي ولا بالخطب، وإنما بركائز عمليةٍ متدرّجة. أولاها بناء البنية التحتية الذكية بوصفها منفعةً عامة لا ترفاً، فكما عُدّ الكهرباء والماء حقّاً للجميع في القرن الماضي، ينبغي أن يُعدّ الوصول إلى الحوسبة والاتصال عالي السرعة حقاً في هذا القرن. والثانية الاستثمار في رأس المال البشري عبر تعليمٍ يُعيد تشكيل نفسه جذرياً، فلا يلقّن المتعلّم معلوماتٍ تتقادم، بل يكسبه مهارة التعلّم المستمرّ والتفكير النقديّ ومحاورة الآلة وتوظيفها. وتشير أبحاث جامعة هارفارد في الاقتصاد الرقمي إلى أنّ العائد على الاستثمار في المهارات يفوق أضعافاً العائد على الاستثمار في العتاد وحده، لأنّ العتاد بلا مهارةٍ يبقى معطّلاً. والثالثة توطين المحتوى والبيانات، إذ لا يُعقل أن تظلّ اللغة العربية فقيرةً في الفضاء الرقميّ بينما يتحدّث بها أحد أكبر التجمّعات البشرية؛ فبناء مدوّناتٍ لغويةٍ ضخمةٍ ونماذج تفهم خصوصية الثقافة شرطٌ لئلّا يُكتب على المنطقة أن تفكّر بعقلٍ مستعار.

أمّا الركيزة الرابعة فهي الأخطر والأكثر إغفالاً: الحَوكمة العادلة. فالذكاء الاصطناعي يُتيح تمكيناً غير مسبوق، لكنه يتيح أيضاً تركّزاً غير مسبوقٍ للقوة في أيدي قلّة تملك النماذج والبيانات. وقد نبّهت أبحاثٌ من معهد ماساتشوستس للتقنية حول مستقبل العمل إلى أنّ تصميم التقنية ليس قدراً محتوماً، بل خيارٌ بشريّ يمكن توجيهه نحو تعزيز قدرة الإنسان بدل إقصائه. ومن هنا يرى الكاتب أنّ المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والآلة، بل بين رؤيةٍ تجعل الذكاء الاصطناعي أداةً لتوسيع دائرة المستفيدين، ورؤيةٍ تجعله سياجاً يحرس امتيازات القلّة. والاختيار بين الرؤيتين سياسيّ وأخلاقيّ قبل أن يكون تقنياً، وهو اختيارٌ يُصنع اليوم في قاعات التشريع ومجالس الاستثمار لا في مختبرات البرمجة وحدها.

وثمّة ركيزةٌ خامسة لا تقلّ أهمية، وهي بناء جسورٍ بين القطاعات لا أسوارٍ بينها. فالفجوة لا تُردم حين تنفرد الدولة بالعبء، ولا حين يستأثر القطاع الخاص بالربح، بل حين تتضافر الحكومة والجامعة والشركة والمجتمع المدني في منظومةٍ واحدة. فالجامعة تُخرّج العقول، والشركة تحوّل المعرفة إلى منتج، والدولة ترسم الإطار وتضمن العدالة، والمجتمع المدني يحرس ألّا يُترك أحدٌ خلف الركب. ويرى الكاتب أنّ أكثر التجارب نجاحاً في العالم لم تكن تلك التي ضخّت أكبر الأموال، بل تلك التي أحسنت نسج هذه الخيوط في نسيجٍ واحدٍ متماسك، فحوّلت المبادرات المتفرّقة إلى استراتيجيةٍ وطنيةٍ تتقدّم في اتجاهٍ واحد بدل أن تتبعثر جهودها في اتجاهاتٍ متناقضة.

وحين ننظر إلى الأفق، نُدرك أنّ الفجوة الرقمية ليست قدراً مكتوباً ولا نبوءةً حتمية، بل مرآةٌ تعكس خياراتنا الجماعية. فالتقنية في ذاتها محايدة، والذي يحدّد إن كانت ستجمعنا أو تفرّقنا هو الإرادة التي توجّهها والسياسات التي تؤطّرها والقيم التي تحكمها. والمنتدى الاقتصادي العالمي حين يضع «الشمول الرقمي» على رأس أولويّاته إنما يقرّ ضمناً بأنّ ترك السوق وحده يقود الدفّة وصفةٌ لتفاوتٍ مدمّر. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرّقنا: هل نريد ذكاءً اصطناعياً يكون كهرباء هذا العصر تصل إلى أبعد قريةٍ وأفقر بيت، أم نرضى به ترفاً يزيد الغنيّ غنىً والفقير عزلة؟ إنّ جسر الهوّة ممكن، لكنه لن يُبنى من تلقاء نفسه؛ فهو فعل إرادةٍ يبدأ حين نكفّ عن النظر إلى من بقي خارج الثورة بوصفه عبئاً، ونبدأ النظر إليه بوصفه نصف المعادلة الذي بدونه تبقى الثورة ناقصة، وبدونه يبقى وعد التقنية وعداً مخذولاً. ولعلّ أصدق ما يُقال في الختام إنّ التاريخ لن يسأل أجيالنا كم بلغت نماذجنا من قوة، بل كم بلغ من بنينا لهم جسوراً من عدالة؛ فالثورة التي تترك نصف أهلها على الرصيف ليست ثورةً تستحقّ اسمها، وإنّما هي امتيازٌ قديمٌ تنكّر في ثوبٍ جديد.