شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي

أنفقت شركةٌ كبرى عشرات الملايين على منصّةٍ للذكاء الاصطناعي، ثم وقف مديرها التنفيذيّ أمام مجلس الإدارة يُعلن «عائداً» باهراً يفوق كلّ التوقّعات؛ فهل صدّقتَ الرقم، أم خطر ببالك أن تسأله سؤالاً واحداً محرجاً: مقارنةً بماذا؟ إنّ أخطر ما في قياس العائد على الاستثمار في هذه التقنية ليس أن نُخفق في حسابه، بل أن نُتقن حساب رقمٍ لا معنى له أصلاً، فنطمئنّ إلى يقينٍ زائفٍ أشدّ خطراً من الجهل الصريح. فالرقم حين يلمع في شريحة عرضٍ أنيقة يكتسب سلطةً لا يملكها، ويُسكِت الأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرَح قبل أن يُكتَب، ويُحوِّل النقاش من تمحيصٍ نقديٍّ إلى تصفيقٍ جماعيٍّ لرقمٍ لا يعرف أحدٌ من أين جاء.

لنبدأ من الجذر اللغويّ للمفهوم نفسه قبل أن نُسرِف في الأرقام. العائد على الاستثمار، في صيغته الكلاسيكية الموروثة عن المحاسبة الصناعية، معادلةٌ بسيطةٌ ظاهرياً: صافي المنفعة مقسوماً على التكلفة. وقد وُلدت هذه المعادلة في عالمٍ تُشترى فيه آلةٌ بثمنٍ معلوم، فتُنتج وحداتٍ معدودةً تُباع بسعرٍ معلوم، فيُعرَف الربح بدقّةٍ هندسية. لكنّ الذكاء الاصطناعي ليس آلةً من هذا الطراز؛ إنّه تقنيةُ أغراضٍ عامّةٍ، أقرب في طبيعتها إلى الكهرباء منها إلى المخرطة. والكهرباء، حين دخلت المصانع في مطلع القرن العشرين، لم يكن عائدها يُقاس بعدّاد الكيلوواط، بل بإعادة تصميم المصنع كلّه حولها، من توزيع الآلات إلى تدفّق العمّال إلى ساعات الإنتاج. ولهذا نبّه باحثون في كلية هارفارد للأعمال مراراً إلى أنّ تقنيات الأغراض العامّة لا تُؤتي أُكلها إلا بعد سنواتٍ من «الاستثمارات المكمّلة» في العمليات والمهارات والهياكل، وهي فترةٌ يبدو فيها العائد سلبياً ظلماً قبل أن ينقلب موجباً فجأة.

وهنا تبرز المفارقة التي يسمّيها الاقتصاديون «مفارقة الإنتاجية»: أن تُغرَق المؤسسات بالأدوات الذكية بينما تتأخّر مكاسبها المُعلَنة في الظهور على دفاتر الأرباح. لقد وثّق الاقتصاديّ إريك برينولفسون وزملاؤه في معهد ماساتشوستس للتقنية وستانفورد هذه الظاهرة بدقّةٍ، وفسّروها بأنّ الفجوة الزمنية بين تبنّي التقنية وحصاد عائدها ليست عيباً في التقنية، بل ثمنٌ طبيعيٌّ لإعادة بناء المؤسسة من الداخل. ويرى الكاتب أنّ أوّل خدعةٍ ينبغي الحذر منها هي خدعة «التوقيت»: فمَن يقيس العائد بعد ثلاثة أشهرٍ من التبنّي يقيس تكلفةَ التعلّم لا قيمة الإنتاج، تماماً كمن يحكم على بستانٍ بعدد ثماره في أسبوع الغرس الأوّل. والأدهى أنّ هذا الخطأ يعمل في الاتجاهين معاً: فكما يُظلَم مشروعٌ ناجحٌ يُقاس مبكّراً، يُمدَح مشروعٌ فاشلٌ يُقاس في لحظة وهجٍ عابرٍ قبل أن تظهر تكاليفه المؤجَّلة.

أمّا الخدعة الثانية، وهي الأمكر، فهي خدعة «البسط» في المعادلة، أي تضخيم المنفعة. فحين تُروّج شركةٌ ما لتوفيرٍ هائلٍ في ساعات العمل بفضل أداةٍ توليدية، يَغيب عن الحساب أنّ الساعة الموفَّرة ليست بالضرورة قيمةً مُحقَّقة. فالموظّف الذي وفّر ساعةً ربما أنفقها في مهمّةٍ أقلّ قيمة، أو في مراجعة مخرجاتٍ آليةٍ مشكوكٍ فيها، أو لم يُنتِج بها شيئاً يُذكَر. والوفر في الزمن لا يصير عائداً ماليّاً إلا إذا تُرجِم إلى ناتجٍ إضافيٍّ يُباع أو تكلفةٍ فعليةٍ تُحذَف؛ وما عدا ذلك فهو وفرٌ على الورق لا يلمسه الميزان. وقد أظهرت دراساتٌ ميدانيةٌ جادّة، من بينها تجارب أُجريت بالتعاون مع باحثين في ماكنزي وستانفورد، أنّ مكاسب الإنتاجية تتركّز بشدّةٍ لدى العاملين الأقلّ خبرة، بينما تكاد تتلاشى أو تنعكس سلباً لدى الخبراء الذين قد تُبطئهم الأداة أو تُغرِقهم في تصحيح أخطائها. فالعائد المتوسّط رقمٌ يُخفي تبايناً هائلاً، وحساب المتوسّط وحده خيانةٌ للحقيقة؛ إذ قد يُخفي المتوسّط المُرتفع خسارةً صامتةً عند نخبة المؤسسة وربحاً عَرَضيّاً عند هامشها.

شاطئ الجبيل والخدعة الثالثة تكمن في «المقام»، أي التكلفة التي يُسهَّل تجاهل أكبرها. فالمؤسسات تَحسِب ثمن الاشتراك في النموذج وتنسى الجبل المغمور تحت الماء: تكلفة تنظيف البيانات وحَوكمتها، وتكلفة البنية الحسابية وفواتيرها المتقلّبة، وتكلفة إعادة تدريب الموظّفين، وتكلفة المخاطر القانونية والأمنية، وأثقل من ذلك كلّه «الدَّيْن التقنيّ» الذي يتراكم حين تُبنى الحلول على عجل. وهذه التكاليف لا تظهر في فاتورة الشهر الأوّل، بل تتسلّل بهدوءٍ في السنة الثانية والثالثة حتى تُثقِل المشروع بأعباءٍ لم تُحسَب يوم وُلِد. لقد حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقاريرها من أنّ التكلفة الحقيقية لتبنّي الذكاء الاصطناعي في المؤسسات تتجاوز بكثيرٍ ثمن الترخيص الظاهر، وأنّ إغفال هذه التكاليف الخفيّة هو السبب الأشيع في انهيار جدوى المشروعات بعد إطلاقها. يرى الكاتب أنّ أيّ حسابٍ للعائد لا يُدرِج «التكلفة الكاملة للملكية» على مدى دورة الحياة هو حسابٌ مُضلِّلٌ بطبيعته، لا ناقصٌ فحسب.

شاطئ الجبيل ثمّ تأتي أخطر الخدع جميعاً، وهي خدعة الإسناد: أن تنسب إلى الذكاء الاصطناعي فضلاً ليس له. فحين ترتفع المبيعات بعد نشر أداةٍ ذكية، يقفز العقل إلى ربط السبب بالنتيجة، متجاهلاً أنّ السوق ربما انتعش، أو أنّ حملةً تسويقيةً وازت المشروع، أو أنّ الفريق ذاته كان سيتحسّن بلا أداة. إنّ الفرق بين الارتباط والسببية هو الهاوية التي تسقط فيها معظم تقارير العائد المتفائلة. ولهذا يُصرّ المنهج العلميّ على ما يُسمّى «المجموعة الضابطة»: أن تقارن فريقاً يستخدم الأداة بفريقٍ مماثلٍ لا يستخدمها، في الظرف ذاته. والمؤسسات التي تتجرّأ على هذه المقارنة الصارمة قليلة، لأنّ نتائجها كثيراً ما تكون متواضعةً إلى حدٍّ يُحرِج مَن وعد بالمعجزات. وهنا يصدُق قول المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره المتكرّرة عن مستقبل العمل: إنّ الفجوة الكبرى ليست بين المؤسسات التي تتبنّى التقنية وتلك التي ترفضها، بل بين مَن يقيس أثرها بصدقٍ ومَن يكتفي بسرديةٍ جذّابةٍ عنها. ويُضاف إلى ذلك ما نبّه إليه باحثون في جامعة أوكسفورد من أنّ كثيراً من «العوائد» المُعلَنة تُبنى على تقديراتٍ ذاتيةٍ يُدلي بها أصحاب المشروع أنفسهم، وهم آخر مَن يُرتجى منه الحياد في تقويم صنيعهم.

ولأنّ النقد دون بناءٍ هدمٌ عقيم، فلنُرسِ ركائز قياسٍ رصينةٍ تَعصِم من الانخداع. الركيزة الأولى هي «المقارنة الضابطة» سبيلاً وحيداً للسببية؛ فلا رقمَ يُوثَق به ما لم يُولَد من مقارنةٍ بين حالةٍ بالأداة وحالةٍ بدونها. والركيزة الثانية هي «المقاييس القيادية» إلى جانب «المقاييس المتأخّرة»؛ فلا تنتظر ظهور الأثر في الميزانية وحدها، بل ارصُد مؤشّراتٍ مبكّرةً كجودة المخرجات وزمن الإنجاز ورضا العميل، فهي إنذارٌ مبكّرٌ بنجاحٍ قادمٍ أو فشلٍ وشيك. والركيزة الثالثة هي «القيمة الكامنة» التي لا تظهر في جدولٍ ماليٍّ مباشر: تحسين تجربة الموظّف، وتقليل المخاطر، وتسريع الابتكار، وبناء قدرةٍ مؤسسيةٍ تتراكم مع الزمن. فاختزال العائد في وفرٍ نقديٍّ آنيٍّ يُهمِل أثمن ما تجنيه المؤسسة: تحوّلها هي ذاتها إلى كيانٍ أقدر على التعلّم. والركيزة الرابعة هي «التكلفة الكاملة على دورة الحياة» مقاماً صادقاً للمعادلة، يَشمل الخفيّ كما يَشمل الظاهر. والركيزة الخامسة، وهي الجامعة، أن نربط كلّ مشروعٍ بهدفٍ استراتيجيٍّ واضحٍ قبل أن نطلقه، فالعائد بلا هدفٍ مسبقٍ رقمٌ يبحث عن سؤال.

ويُضاف إلى هذه الركائز مبدأٌ يكاد يكون شرطاً للنزاهة كلّها: أن يُحدَّد معيار القياس قبل بدء المشروع لا بعد انتهائه. فمَن ينتظر النتائج ثم يختار من بين المقاييس ما يُجمّلها يمارس انتقاءً للأدلّة لا قياساً للأثر؛ والفرق بينهما كالفرق بين العالِم الذي يضع فرضيّته ثم يختبرها، والمحامي الذي يعرف حكمه سلفاً ثم يلتمس له الأدلّة. والمؤسسات التي تُدوّن أهدافها وعتباتها قبل أن تُنفِق ريالاً واحداً تَمتلك حصانةً ضدّ أخطر أنواع الخداع: ذلك الذي نخدع به أنفسنا قبل أن نخدع به سوانا.

ولا يكتمل هذا التحليل دون التفاتةٍ إلى السياق العربيّ ورؤية السعودية 2030 التي جعلت من التحوّل الرقميّ والاقتصاد المعرفيّ ركيزةً سياديةً لا ترفاً تقنياً. ويرى الكاتب أنّ أكبر خطرٍ يتهدّد مؤسساتنا في هذه الموجة ليس الإحجام عن الاستثمار، بل الاندفاع إليه بدافع «خشية التخلّف عن الركب»، فتُنفَق الميزانيات على مشروعاتٍ بلا منهجِ قياسٍ، ثم تُبرَّر بأرقامٍ مصنوعةٍ لطمأنة مجالس الإدارة. إنّ بناء ثقافةٍ مؤسسيةٍ تقيس الأثر بصدقٍ، وتجرؤ على الاعتراف بالمشروعات الفاشلة وإيقافها مبكّراً، أثمن في المدى البعيد من ألف مشروعٍ ناجحٍ على الورق. فالنضج الرقميّ لا يُقاس بعدد الأدوات المُتبنّاة، بل بجودة الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا قبل أن نتبنّاها. ولا يخفى أنّ السوق العربيّ، بثرائه اللغويّ وخصوصيّته الثقافية، يفتح أمام مؤسساتنا مجالاً لعائدٍ من نوعٍ مختلف: عائدٍ يُقاس بقدرة الأداة على فهم لساننا وسياقنا، لا بمجرّد محاكاة تجاربَ صُمّمت لأسواقٍ أخرى بمعاييرها هي. ومن أغفل هذا البُعد قاس عائده بمسطرةٍ مستعارةٍ لا تُناسب أرضه. والمؤسسة التي تتعلّم كيف تقيس بصدقٍ تَبني أصلاً أثمن من أيّ نموذجٍ تشتريه: قدرةً دائمةً على تمييز الغثّ من السمين في كلّ موجةٍ تقنيةٍ قادمة.

ولعلّ أصدق ما يُختم به أنّ العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ليس رقماً نستخرجه في نهاية المطاف، بل انضباطٌ فكريٌّ نمارسه من البداية. فالأرقام، مهما بدت موضوعية، صنيعةُ الافتراضات التي بُنيت عليها؛ ومن يملك تحديد البسط والمقام والإطار الزمنيّ يملك في الحقيقة صناعة النتيجة سلفاً. والمؤسسات الناضجة لا تسأل «كم بلغ عائدنا؟» فحسب، بل تسأل «كيف وَلَّدنا هذا الرقم، وما الذي يُخفيه؟». إنّ القياس الصادق فعلُ تواضعٍ معرفيٍّ قبل أن يكون مهارةً حسابية: تواضعٌ يعترف بأنّ ما لا نستطيع قياسه قد يكون أهمّ ممّا نقيسه، وأنّ يقيناً زائفاً بقيمةٍ موهومةٍ أخطر على القرار من شكٍّ صادقٍ يدفع إلى التحرّي. والسؤال الذي ينبغي أن يظلّ معلّقاً أمام كلّ مَن يستثمر في هذه التقنية ليس: هل ربحنا؟ بل: هل نعرف حقّاً ما الذي نقيسه، ولماذا، ومقابل أيّ بديلٍ كنّا سنسلكه لو لم نفعل؟ فمَن يُحسِن طرح هذا السؤال يكون قد قطع أطول شوطٍ نحو عائدٍ حقيقيٍّ لا يُخدَع بأرقامه، بينما يبقى مَن يكتفي ببريق الرقم أسيرَ مرآةٍ تعكس له ما يشتهي أن يراه، لا ما هو كائنٌ فعلاً في حقول عمله ودفاتر مؤسسته.