حين قيل لنا إنّ الشبكات الاصطناعية «تُحاكي الدماغ»، صدّقنا الاستعارة وكأنها وصفٌ هندسيٌّ دقيق؛ غير أنّ الحقيقة أقرب إلى أنّنا استعرنا اسم العضو ونسينا أنّ ما بنيناه لا يشبهه إلا كما تشبه الطائرةُ العصفور.
البداية كانت متواضعة وجريئة في آنٍ معاً؛ ففي عام 1943 صاغ عالِم الأعصاب وارن مكلوك والمنطقيّ والتر بِتس نموذجاً رياضياً مبسّطاً للخليّة العصبية، يجمع إشاراتٍ داخلةً ويُطلق إشارةً خارجةً متى تجاوز مجموعها عتبةً معيّنة. لم يكن طموحهما محاكاة الدماغ بكامل تعقيده، بل البرهنة على أنّ وحداتٍ بسيطةً موصولةً ببعضها قد تؤدّي عملياتٍ منطقية.
ومن تلك الفكرة الأوّليّة وُلد «البِرسِبترون» على يد فرانك روزنبلات عام 1958، فبشّرت الصحافة يومها بآلةٍ توشك أن تَعي ذاتها، قبل أن يُثبت مارفن مينسكي وسيمور بابرت في معهد ماساتشوستس للتقنية عام 1969 أنّ تلك الشبكة البسيطة عاجزةٌ عن حلّ مسائل بسيطةٍ كدالّة «أو الحصرية»، فكان نقدهما الرياضيّ الصارم شرارةً لأوّل شتاءات هذا الحقل. والدرس هنا يستحقّ التأمّل: المفارقة أنّ الفكرة لم تمت من ضعفها الداخليّ، بل من تسرّعنا في تحميلها وعداً أكبر منها.
ولفهم حجم الهوّة بين الأصل والصورة، يحسن أن نتأمّل البنية البيولوجية أوّلاً. فالدماغ البشريّ يضمّ قرابة ستٍّ وثمانين مليار خليّةٍ عصبية، تتشابك فيما بينها بمئات التريليونات من الوصلات، وفق ما تُجمع عليه أدبيات علم الأعصاب الحديثة. لكنّ الرقم وحده يخدع؛ فالخليّة العصبية الحيّة ليست مفتاحاً يفتح ويغلق، بل نظامٌ كهروكيميائيٌّ معقّدٌ يتفاعل بالزمن والمكان معاً، تتغيّر فيه قوّة الوصلات تبعاً لتجربةٍ متراكمة، ويعمل بكفاءةٍ في استهلاك الطاقة تثير الدهشة؛ إذ يكتفي الدماغ بنحو عشرين واطاً فقط ليؤدّي ما تعجز عنه مراكز بياناتٍ بأكملها. وهذا التدبير الطاقيّ ليس تفصيلاً ثانوياً، بل لعلّه جوهر الذكاء البيولوجيّ الذي ما زلنا نجهل سرّه. ثمّ إنّ الخليّة الواحدة لا تكتفي بالجمع البسيط، بل تُجري حساباتٍ موضعيةً في تشعّباتها قبل أن تصل الإشارة إلى مركزها، حتى ذهب بعض الباحثين إلى أنّ خليّةً عصبيةً واحدةً قد تعادل في تعقيدها شبكةً اصطناعيةً صغيرةً بأكملها؛ وهي مقارنةٌ تكفي وحدها لتقويض الانطباع الساذج بأنّ العُقدة الرياضية نظيرةٌ للخليّة الحيّة.
أمّا الشبكة الاصطناعية فبنيةٌ رياضيةٌ من طرازٍ آخر تماماً؛ عُقَدٌ مرتّبةٌ في طبقاتٍ متتابعة، تنتقل فيها الأرقام من المدخلات إلى المخرجات عبر عملياتِ ضربٍ وجمعٍ ودوالَّ تنشيط، ثم تُصحَّح أوزانها عبر خوارزمية «الانتشار العكسي» التي أعاد إحياءها جيفري هينتون وزملاؤه عام 1986، فعلّمت الشبكة أن تُوزّع مسؤولية الخطأ على طبقاتها طبقةً بعد طبقة. وهنا يكمن أوّل فارقٍ جوهريّ يغفل عنه كثيرون: الدماغ يتعلّم وهو يعمل، بينما تفصل الشبكة الاصطناعية فصلاً حادّاً بين طور التدريب وطور التشغيل، فهي تُجمَّد بعد تعلّمها كتمثالٍ أُتقن نحته ثم استقرّ. يرى الكاتب أنّ هذا الفصل بالذات هو ما يجعل تشبيه الشبكة بالدماغ تشبيهاً مضلِّلاً في عمقه، لا في تفاصيله فحسب؛ فنحن أمام كائنين مختلفين في طريقة وجودهما لا في درجة تعقيدهما.
ويعمّق هذا التباينَ أنّ الدماغ لا يحتاج إلى ملايين الأمثلة ليتعلّم؛ فالطفل يرى قطّةً مرّةً أو مرّتين ثم يُعمّم المفهوم على كلّ قطٍّ رآه بعدها، بينما تستهلك الشبكة الاصطناعية كمّاً هائلاً من البيانات الموسومة لتبلغ كفاءةً مقاربة، ثم تنهار فجأةً حين تواجه مثالاً يقع خارج توزيع ما دُرّبت عليه. ولهذا فإنّ ما تُسمّيه الآلة «تعميماً» يبقى تعميماً هشّاً، يكفي تشويشٌ طفيفٌ على صورةٍ ما، لا تكاد العين البشرية تلحظه، ليجعل النموذج يُخطئ خطأً فادحاً يصنّف معه حافلةً نعامةً. وهذه الهشاشة، التي تنبّه إليها أبحاثٌ متلاحقةٌ في جامعة أوكسفورد وغيرها، تكشف أنّ ما يجري داخل الشبكة ليس فهماً للعالم بقدر ما هو التقاطٌ لارتباطاتٍ إحصائيةٍ قد تنخدع بسهولة، خلافاً للفهم البشريّ الذي يستند إلى نموذجٍ سببيٍّ عن كيفية عمل الأشياء.
ومع ذلك، يحقّ لنا أن نتساءل بإنصاف: أليست هذه الشبكات قد تجاوزت الدماغ فعلاً في مهامّ بعينها؟ والجواب نعم، بلا مواربة. ففي عام 2012 حقّق نموذج «أليكس نت» قفزةً في مسابقة «إيمِج نت» لتصنيف الصور خفضت معدّل الخطأ بفارقٍ شاسعٍ عن منافسيه، وفق ما رصدته مجلة «آي تربل إي سبكتروم». ثم جاء عام 2016 بنموذج «ألفا غو» من مختبر «ديب مايند» ليهزم بطل العالم في لعبة «غو» التي ظنّ كثيرون أنّها عصيّةٌ على الآلة لاتّساع فضائها أكثر من عدد ذرّات الكون المنظور. والأبهى أنّ النسخة التالية، «ألفا غو زيرو»، تعلّمت اللعبة من الصفر دون أمثلةٍ بشرية، فابتكرت حركاتٍ لم يخطر للخبراء أن يلعبوها في آلاف السنين. وفي مجالٍ أبعد أثراً، أعلن المختبر ذاته أنّ نموذج «ألفا فولد» حلّ معضلةً ظلّت تُحيّر علماء الأحياء نصف قرن، وهي التنبّؤ ببنية البروتينات، حتى نال مطوّروه جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024.
وهذه الإنجازات، على بهائها، لا ينبغي أن تُقرأ بمعزلٍ عن شرطها؛ فكلٌّ منها وليد ميدانٍ مغلقٍ محدّدِ القواعد وفيرِ البيانات، حيث الهدف معرّفٌ بدقّة والنجاح قابلٌ للقياس. أمّا حين يخرج النموذج إلى فوضى العالم الحقيقيّ المفتوح، حيث القواعد ضمنيةٌ والسياق متبدّل والمعطيات ناقصة، فإنّ تفوّقه يتبخّر سريعاً. ولهذا يرى الكاتب أنّ قياس ذكاء الآلة بإنجازها في لعبةٍ أو مسابقةٍ مغلقة قياسٌ مضلِّل، أشبه بمن يحكم على سبّاحٍ بقدرته على المشي؛ فالميدان الذي تتألّق فيه الشبكة هو ذاته الميدان الذي يُخفي حدودها الحقيقية. والمعيار الأصدق ليس التفوّق في مهمّةٍ بعينها، بل المرونة في الانتقال بين المهامّ، وهي بالضبط ما تعوزها هذه البنى وتملكه البيولوجيا بسخاء.
لكنّ يرى الكاتب أنّ الحديث عن «تجاوزٍ» هنا مضلِّلٌ ما لم نُحدّد المعيار؛ فالشبكة تتفوّق في الضيق وتسقط في السعة. إنّها بطلٌ في ميدانٍ واحد، أعمى عمّا حوله. فالنموذج الذي يبزّ الإنسان في تشخيص صورةٍ شعاعية يعجز عن أن يربط مزحةً بسياقها، والذي يهزم بطل «غو» لا يعرف لماذا يلعب أصلاً. وهنا تتجلّى مفارقة «مورافيك» التي صاغها روّاد الذكاء الاصطناعي قبل عقود: ما يسهل على الآلة يصعب على الطفل، وما يفعله الطفل بلا جهدٍ كالمشي والإمساك وفهم نظرةٍ في عينٍ يستعصي على أعتى الخوارزميات. فالذكاء العامّ المرن الذي يعمّم من مثالٍ واحد، ويتعلّم بلا إشراف، ويفهم العالم الماديّ بحدسٍ فطريّ، ما زال حِكراً على البيولوجيا. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في هذا الميدان ليس قصور الآلة، بل ميلنا نحن إلى أن نمنحها فهماً لا تملكه لمجرّد أنّها تُجيد لغتنا.
والقراءة المتأنّية تكشف أنّ السردية الرائجة عن شبكاتٍ «تعمل كالدماغ» تخدم التسويق أكثر مما تخدم الحقيقة. فأبحاث جامعة ستانفورد في علوم الأعصاب الحاسوبية ما فتئت تنبّه إلى أنّ التشابه بنيويٌّ سطحيّ لا وظيفيّ عميق؛ فالشبكة الاصطناعية لا تنام لتُرسّخ ذاكرتها، ولا تنسى لتُفسح مكاناً لما هو أهمّ، ولا تتعب ولا تشعر، ولا تبني نموذجاً للعالم تختبره بالفعل والخطأ كما يفعل طفلٌ يتعثّر فيتعلّم. بل إنّ ما يُسمّى «التعلّم» في الآلة عمليةٌ إحصائيةٌ لضبط أوزانٍ عددية، لا اكتسابٌ لمعنى. ويرى الكاتب أنّ الإصرار على الاستعارة العصبية قد أعاق فهمنا أكثر مما أعانه؛ إذ صرف الأنظار عن سؤالٍ أجدى: ماذا تفعل هذه البنى الرياضية حقاً، بعيداً عن مجاز الدماغ؟
ومن هنا تتّضح ركائز عملية لمن أراد أن يبني على هذا الفهم لا على الوهم. أولاها أن نتعامل مع الشبكة بوصفها أداةً متخصّصة، فننشرها حيث تتفوّق ونستبقي الإنسان حيث يتفوّق، لا أن نطلب منها ما لم تُصمَّم له. وثانيتها أن ندرك أنّ كلفة الطاقة قيدٌ حقيقيّ لا تفصيلٌ تقنيّ؛ فبينما يكتفي الدماغ بقَدْر مصباح، تلتهم النماذج الكبرى طاقةً تُقاس بمدنٍ صغيرة، وهو ما يجعل البحث في كفاءة الطاقة أولويةً استراتيجية لا ترفاً بحثياً. وثالثتها أن نُولي البيانات عنايةً تليق بكونها الوقود الذي تصوغ منه الآلة فهمها؛ فالشبكة لا ترى من العالم إلا ما نُريها إيّاه. ولأنّ هذا الميدان صار رهاناً سيادياً لا أكاديمياً فحسب، جعلت رؤية السعودية 2030 من الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقميّ ركيزةً للتحوّل، إدراكاً بأنّ من يُتقن بناء هذه البنى يصوغ مستقبله بيده، ومن يكتفي باستهلاكها يُسلّم زمامه لغيره. ويزداد الأمر إلحاحاً حين ندرك أنّ اللغة العربية ما تزال ضعيفة التمثيل في بيانات هذه النماذج؛ فمن لا يُغذّي الآلة بلغته يُسلّمها مرآةً تعكس سواه ولا تعكسه.
ولعلّ أعمق ما تعلّمناه من هذه المقارنة أنّ الدماغ ليس آلةً متفوّقة فحسب، بل هو نمطٌ مختلفٌ من الوجود لم نفكّ شفرته بعد. فالعلماء في جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتقنية يقرّون بأنّ خرائط الوصلات العصبية التي رسموها لأجزاء مجهرية من الدماغ كشفت تعقيداً يفوق كلّ ما توقّعوه، حتى إنّ مكعّباً مجهرياً واحداً من القشرة الدماغية حوى من الوصلات ما يُربك أضخم الحواسيب. أي أنّ المسافة لم تَعُد مجرّد فجوةٍ كميّةٍ نردمها بمزيدٍ من العُقَد والطبقات، بل هي اختلافٌ نوعيٌّ في طبيعة الحساب نفسه. ويرى الكاتب أنّ الطريق إلى ذكاءٍ أعمّ لن يكون بتضخيم البنية الحالية إلى ما لا نهاية، بل بفهمٍ أعمق لما يجعل البيولوجيا فعّالةً ورشيقة وموفّرة، ولعلّ مستقبل الحقل في التهجين بين البنيتين لا في انتصار إحداهما.
لقد بدأنا بسؤال المحاكاة، وانتهينا إلى أنّ السؤال نفسه كان موضوعاً في غير موضعه. فالشبكة الاصطناعية لم تُقلّد الدماغ، ولم تتجاوزه على إطلاقه، بل سلكت طريقاً ثالثاً موازياً، تتفوّق فيه حيناً وتعجز أحياناً، تماماً كما تطير الطائرة أعلى من الطير وأسرع، وتظلّ عاجزةً عن أن تحطّ على غصنٍ رفيع. والتحدّي القادم ليس في أن نبني آلةً أقرب إلى الدماغ، بل في أن نفهم أيّ نوعٍ من الذكاء نريد، ولأيّ غايةٍ نريده. فهل نسعى إلى نسخةٍ صناعيةٍ من أنفسنا، أم إلى شريكٍ مختلفٍ يكمّل نقصنا ويوسّع آفاقنا؟ ذلك هو السؤال الذي يجدر بنا أن نجيب عنه قبل أن نُسرف في بناء ما لا نفهم غايته.