شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء البشري المعزز

ماذا لو أنّ السؤالَ الذي شغلَ صحفَنا وأرّقَ مجالسَنا طوالَ السنواتِ الأخيرة — "هل ستسرقُ الآلةُ وظيفتي؟" — كان سؤالاً خاطئاً من جذرِه، يشبهُ أن يسألَ فلّاحٌ في القرنِ التاسعَ عشرَ إن كان المحراثُ البخاريُّ سيسرقُ منه فلاحتَه، فيما كان المحراثُ في حقيقتِه يضاعفُ ما تقوى عليه ذراعاه عشراتِ المرّات؟ ثمّةَ سرديةٌ مهيمنةٌ رُوِّجَ لها حتى صارت بداهةً لا تُناقَش، مفادُها أنّ الإنسانَ والآلةَ خصمان في حلبةٍ واحدة، أحدُهما يربحُ حين يخسرُ الآخر، وكأنّ التاريخَ لعبةٌ صفريةٌ ينتصرُ فيها السيليكونُ على اللحمِ والدم. غير أنّ هذه الصورةَ، على رواجِها، مغلوطةٌ في صميمِها، لأنّها تنظرُ إلى الذكاءِ الاصطناعيِّ بوصفِه بديلاً، فيما الأقربُ إلى الصوابِ أن نراه مضاعِفاً؛ لا قوّةً تحلُّ محلَّ العقلِ البشريِّ، بل رافعةً تُعلي ما فيه من قدرةٍ على التصوّرِ والابتكار. والفرقُ بين الرؤيتين ليس فرقاً في النبرةِ أو التفاؤل، بل فرقٌ في فهمِ طبيعةِ التقنيةِ ذاتِها، ومنه تتفرّعُ سياساتٌ ومصائرُ أممٍ بأكملِها.

لنعُدْ إلى أصلِ الفكرة قبلَ أن يصادرَها الخوفُ الشائع. حين كتبَ المهندسُ الأمريكيُّ فانيفار بوش مقالتَه الشهيرة "كما قد نفكّر" سنةَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وخمسٍ وأربعين، تخيّلَ آلةً يسمّيها "الميمكس" تمدُّ ذاكرةَ الإنسانِ وتربطُ أفكارَه بعضَها ببعض، لا لتفكّرَ نيابةً عنه، بل لتحرّرَ عقلَه ليفكّرَ أبعد. وفي الستّينيات طوّرَ دوغلاس إنغلبارت في معهدِ ستانفورد للأبحاث مشروعَه الذي أسماه صراحةً "تعزيزَ الذكاءِ البشريّ"، رافعاً شعاراً مخالفاً تماماً لحلمِ "الذكاءِ الاصطناعيِّ" الذي كان يطمحُ إلى استنساخِ العقل؛ فبينما سعى فريقٌ إلى صنعِ عقلٍ بديل، سعى إنغلبارت إلى صنعِ أدواتٍ تجعلُ العقلَ القائمَ أقوى. يرى الكاتبُ أنّ هذا الانقسامَ التاريخيَّ المبكّرَ هو مفتاحُ فهمِ مأزقِنا اليوم؛ فقد غلبَ في الخطابِ العامِّ حلمُ "الاستبدال" على حلمِ "التعزيز"، فصارَ الناسُ يرونَ في كلِّ تقدّمٍ تهديداً، بينما كان المسارُ الأخصبُ تاريخياً هو مسارَ الشراكةِ لا الإحلال. والمفارقةُ أنّ أنجحَ تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ حتى اللحظة ليست تلك التي أزاحت الإنسانَ، بل تلك التي وقفت إلى جانبِه فجعلت قراره أدقَّ وخيالَه أوسع.

والدليلُ على ذلك يتجاوزُ التنظيرَ إلى أرقامٍ رصدتها أبرزُ الجامعات. فقد أظهرت دراسةٌ ميدانيةٌ أجراها باحثون من جامعةِ هارفارد بالتعاونِ مع مجموعةِ بوسطن الاستشارية على آلافِ الاستشاريين أنّ المهنيين الذين استعانوا بنماذجِ الذكاءِ التوليديِّ في مهامِّهم أنجزوا أعمالَهم أسرعَ بنحوِ الربع، وبجودةٍ أعلى ملموسة، بل إنّ الفجوةَ بين الأداءِ المتوسّطِ والأداءِ المتميّز ضاقت ضيقاً لافتاً حين صارت الأداةُ في متناولِ الجميع، فارتفعَ أداءُ الأقلِّ خبرةً أكثرَ مما ارتفعَ أداءُ الخبراء. وهنا تكمنُ بشارةٌ غالباً ما تُغفَل: التعزيزُ لا يخدمُ النخبةَ وحدَها، بل يرفعُ القاعدةَ، فيقرّبُ المبتدئَ من المتمرّس. وفي السياقِ ذاتِه، نبّهت أبحاثٌ صادرةٌ عن معهدِ ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أنّ مكاسبَ الإنتاجيةِ تكونُ أعلى ما تكونُ حين يحتفظُ الإنسانُ بزمامِ القرارِ النهائيِّ ويستخدمُ الآلةَ مسوّدةً أولى يبني عليها ويصحّحُها، لا حُكماً نهائياً يتلقّاه صاغراً. والدرسُ المستخلَصُ أنّ القيمةَ لا تنشأُ من الآلةِ وحدَها ولا من الإنسانِ وحدَه، بل من حُسنِ التوزيعِ بينهما؛ فللآلةِ سعةُ المعالجةِ وسرعةُ الاسترجاعِ وصبرُ التكرار، وللإنسانِ الحَدسُ والذائقةُ والمسؤوليةُ الأخلاقيةُ وفهمُ السياق، ولا يكتملُ أحدُهما إلا بالآخر. على أنّ الدراسةَ ذاتَها كشفت وجهاً مقلقاً لا ينبغي إغفالُه، فحين خرجت المهامُّ عن نطاقِ قدرةِ النموذجِ تراجعَ أداءُ من اتّكلوا عليه اتّكالاً أعمى دونَ مساءلة، إذ صدّقوا أجوبةً واثقةً في ظاهرِها مغلوطةً في باطنِها. وهذا يؤكّدُ أنّ الشراكةَ ليست تسليماً للزمام، بل يقظةٌ دائمةٌ تعرفُ متى تثقُ ومتى تتحقّق؛ فأخطرُ ما في الأداةِ القديرةِ أنّها قد تخطئُ بثقةٍ تخدعُ من لا يملكُ ميزانَ النقد. والمهارةُ المنشودةُ إذاً مزدوجة: أن نُحسِنَ استثمارَ الآلةِ حين تصيب، وأن نُحسِنَ الارتيابَ منها حين تجنح.

غير أنّ السائدَ في تصوّرِنا للشراكةِ يقفُ عند حدِّ "تقسيمِ العمل"، وهذا في رأيي قصورٌ يستحقُّ المراجعة. فالأمرُ أعمقُ من أن تنجزَ الآلةُ نصفَ المهمّةِ وننجزَ نحن نصفَها الآخر؛ إنّه تحوّلٌ في طبيعةِ التفكيرِ ذاتِه. يرى الكاتبُ أنّ القفزةَ الحقيقيةَ ليست في تفويضِ المهامِّ الروتينيةِ للآلةِ، على أهميةِ ذلك، بل في نشوءِ نمطٍ معرفيٍّ جديدٍ تماماً، يسمّيه بعضُ الباحثين "العقلَ الموزّع"، حيثُ يتشكّلُ الفكرُ في الحوارِ بين العقلِ البشريِّ والنموذجِ الحاسوبيِّ كما يتشكّلُ في الحوارِ بين عقلين بشريين. حين يطرحُ الكاتبُ فكرةً ناشئةً على النموذج، فيردُّها عليه منقّحةً موسَّعةً مشفوعةً باعتراضاتٍ لم تخطرْ له، فإنّ ما يجري ليس استبدالاً للتفكير، بل توسيعٌ لفضائِه. والمبدعُ الحقُّ في هذا العصرِ ليس من يرفضُ الأداةَ تعفّفاً، ولا من يستسلمُ لها كسلاً، بل من يتقنُ فنَّ "محاورتِها"، فيعرفُ كيف يسألُ، وكيف يعترضُ على ما تقدّمُه، وكيف ينتزعُ منها أفضلَ ما عندَها دونَ أن يتنازلَ عن بصمتِه. وقد لاحظت دراساتٌ في جامعةِ ستانفورد أنّ جودةَ المخرَجاتِ ترتبطُ ارتباطاً وثيقاً بجودةِ "التوجيهِ" البشريِّ لها، أي بعمقِ السؤالِ ووضوحِ القصد؛ فالآلةُ مرآةٌ تعكسُ ثراءَ صاحبِها أو فقرَه، ومن جاءها بسؤالٍ سطحيٍّ خرجَ بجوابٍ سطحيٍّ مثلِه. وهكذا يصيرُ التفكيرُ النقديُّ والقدرةُ على صياغةِ السؤالِ الصحيح مهارتين أثمنَ لا أرخص في زمنِ الآلاتِ المجيبة.

شاطئ الجبيل على أنّ الإنصافَ يقتضي ألا ننزلقَ إلى تفاؤلٍ ساذجٍ يتجاهلُ المخاطر. فالشراكةُ المثمرةُ ليست مضمونةً تلقائياً، بل مشروطةٌ بوعيٍ ويقظة. ثمّةَ خطرٌ حقيقيٌّ في "الاتّكالِ المفرِط" الذي يحوّلُ الشريكَ إلى وصيّ، فيضمرُ العقلُ تحتَ وطأةِ الراحة. وثمّةَ خطرٌ آخرُ في أن تنحازَ الآلةُ، بحكمِ بياناتِها، إلى أنماطٍ سائدةٍ تُفقِرُ التنوّعَ وتنمّطُ الإبداعَ، فإذا بنا ننتجُ نسخاً متشابهةً تدورُ في فلكِ ما هو شائعٌ مألوف. وقد حذّرت تقاريرُ المنتدى الاقتصاديِّ العالميِّ المتعاقبةُ من أنّ الفجوةَ القادمةَ لن تكونَ بين من يملكُ التقنيةَ ومن لا يملكُها فحسب، بل بين من يُحسِنُ توظيفَها شريكاً ومن يخضعُ لها تابعاً. ولهذا فإنّ المهاراتِ التي ستصنعُ الفارقَ، بحسبِ ما تشيرُ إليه تقاريرُ مستقبلِ الوظائفِ المتجدّدة، ليست المهاراتِ التقنيةَ البحتةَ التي قد تتقادمُ سريعاً، بل المهاراتِ الإنسانيةَ العميقةَ: التفكيرَ النقديَّ، والذكاءَ العاطفيَّ، والإبداعَ، والحُكمَ الأخلاقيَّ، والقدرةَ على التعلّمِ المستمرّ. والمفارقةُ البليغةُ أنّ صعودَ الآلةِ يعيدُ الاعتبارَ إلى أكثرِ ما في الإنسانِ إنسانية، فكلّما توغّلت الآلةُ في الحساب، ازدادت قيمةُ ما لا يُحسَب.

شاطئ الجبيل وإذا انتقلنا من التشخيصِ إلى البناء، فإنّ ثمّةَ ركائزَ عمليةً تجعلُ من شعارِ "الذكاءِ المعزَّز" واقعاً يُعاش. أولاها تبنّي عقليةِ "الإنسانِ في الحلقة"، أي إبقاءُ القرارِ الأخيرِ بيدِ البشرِ في كلِّ ما يمسُّ المصائرَ والقيم، فلا يُترَكُ للآلةِ أن تحكمَ بمعزلٍ عن رقابةٍ واعية. وثانيتها الاستثمارُ في "الطلاقةِ مع الذكاءِ الاصطناعيِّ" بوصفِها محوَ أميةِ هذا العصر، فلا يكفي أن نتعلّمَ استخدامَ الأداةِ تقنياً، بل أن نفهمَ منطقَها وحدودَها فنعرفَ متى نثقُ بها ومتى نرتاب. وثالثتها إعادةُ تصميمِ التعليمِ ليكفَّ عن إنتاجِ عقولٍ تنافسُ الآلةَ في الحفظِ والاسترجاع، وهي معركةٌ خاسرةٌ سلفاً، ويتفرّغَ لتنميةِ ما تعجزُ عنه الآلةُ من حسٍّ نقديٍّ وخيالٍ خلّاقٍ ووجدانٍ أخلاقيّ. ورابعتها بناءُ "أخلاقياتِ الشراكة"، بحيثُ تُصمَّمُ هذه الأنظمةُ لتعزّزَ استقلاليةَ الإنسانِ لا لتستلبَها، ولتوسّعَ خياراتِه لا لتضيّقَها في أنفاقِ الترشيحِ والتوصية. ويرى الكاتبُ أنّ أخطرَ ما يمكنُ أن نقعَ فيه هو أن نختزلَ هذه الثورةَ في مكاسبِ الإنتاجيةِ وحدَها، فننسى أنّ الغايةَ القصوى ليست أن ننجزَ أكثرَ، بل أن نحيا أعمق؛ أن تتولّى الآلةُ ما هو ممِلٌّ متكرّرٌ لنتفرّغَ نحن لما هو ذو معنى.

ولهذا الطرحِ في سياقِنا العربيِّ راهنيةٌ خاصّةٌ تستحقُّ التأمّل. فالمنطقةُ تقفُ عند مفترقٍ نادر، تملكُ فيه فرصةَ القفزِ مباشرةً إلى نموذجِ الشراكةِ دونَ أن تثقلَها أعباءُ بنى صناعيةٍ قديمةٍ يصعبُ تحديثُها. وتبدو رؤيةُ المملكةِ العربيةِ السعودية لعامِ ألفين وثلاثين، بتركيزِها على بناءِ اقتصادٍ معرفيٍّ متنوّعٍ وتمكينِ رأسِ المالِ البشريِّ بوصفِه الثروةَ الأبقى، إطاراً ملائماً لتبنّي سرديةِ "الإنسانِ المعزَّز" بدلاً من سرديةِ "الإنسانِ المستبدَل". فالمراهنةُ على تأهيلِ الشبابِ ليكونوا شركاءَ للآلةِ لا منافسين لها، أصدقُ استثماراً من المراهنةِ على استيرادِ حلولٍ جاهزةٍ تُقصي العنصرَ البشريَّ من المعادلة. وتُشيرُ توجّهاتٌ في منظّماتٍ دوليةٍ كمنظّمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ إلى أنّ الدولَ التي ستزدهرُ في العقدِ المقبل ليست بالضرورةِ تلك الأكثرَ امتلاكاً للتقنية، بل تلك الأقدرَ على مزجِها بكفاءاتٍ بشريةٍ مرنةٍ قادرةٍ على التعلّمِ والتكيّف. والثروةُ الحقيقيةُ للأممِ في هذا الزمن لم تعد في باطنِ الأرضِ وحدَه، بل في عقولِ أبنائِها وقدرتِهم على مصاهرةِ ذكائِهم بذكاءِ الآلة، فيخرجُ من هذا المزجِ ما لا يقوى عليه أيٌّ منهما منفرداً. ويزيدُ هذا المسارَ وجاهةً أنّ اللغةَ العربيةَ نفسَها صارت اليومَ في صلبِ هذه النماذج، فما عاد التعزيزُ حكراً على المتقنين للغاتِ الغير، بل بات في متناولِ كلِّ ناطقٍ بالضاد يطمحُ إلى أن يبتكرَ ويبدع. والرهانُ الأذكى ليس أن نستهلكَ هذه التقنيةَ مستوردةً جاهزة، بل أن نُسهِمَ في صياغتِها بما يحفظُ خصوصيتَنا الثقافيةَ ويصونُ قيمَنا، فنكونَ شركاءَ في الصناعةِ لا مجرّدَ أسواقٍ لها.

ولعلّ السؤالَ الذي ينبغي أن يحلَّ محلَّ سؤالِ الخوفِ القديم ليس "هل ستحلُّ الآلةُ محلّي؟" بل "ماذا يمكنُني أن أصنعَ لم أكن أحلمُ به وحدي حين أضمُّ قدرتَها إلى قدرتي؟". فالتاريخُ لم يكافئْ يوماً من وقفَ في وجهِ الأدواتِ الجديدةِ خوفاً منها، بل كافأَ من ركبَها وطوّعَها لغاياتِه. والذكاءُ الاصطناعيُّ، حين يُفهَمُ على حقيقتِه، ليس نهايةَ التفوّقِ البشريّ، بل فصلٌ جديدٌ منه؛ فهو لم يأتِ ليكتبَ القصيدةَ بدلاً من الشاعر، بل ليوسّعَ أمامَه فضاءَ الصورِ والمعاني فيختارَ منها ما يشبهُه. وكما لم يُلغِ التلسكوبُ عينَ الفلكيِّ بل مدَّ بصرَه إلى أقاصي الكون، فإنّ هذه الأدواتِ تمدُّ بصيرةَ الإنسانِ إلى آفاقٍ لم يبلغْها من قبل. ويبقى الرهانُ الأخيرُ أنّ الفريقَ الذي لا يُقهَر ليس الآلةَ وحدَها مهما بلغت، ولا الإنسانَ وحدَه مهما نبغ، بل الإنسانُ والآلةُ معاً حين يعرفُ كلٌّ منهما موقعَه، فيقودُ الإنسانُ بحكمتِه وتسندُه الآلةُ بقدرتِها. وحينئذٍ لن يكونَ السؤالُ من يغلبُ من، بل إلى أيِّ أفقٍ بعيدٍ سنمضي معاً، يداً تمسكُ بالمعنى، ويداً تمسكُ بالأداة، وعقلٌ واحدٌ يجمعُهما لا يفرّقُ بينهما.