شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي ومستقبل الديمقراطية

ماذا لو أنّ أعظم تهديدٍ يحدق بالديمقراطية في عصر الخوارزميات ليس أنّ الآلة ستزوّر صناديق الاقتراع، بل أنّها لن تحتاج إلى ذلك أصلاً؛ لأنها ستكون قد زوّرت ما هو أعمق من الصندوق: العقل الذي يقترب منه، والرغبة التي تحرّك اليد، والقناعة التي يظنّها الناخب وليدة تفكيره الحرّ بينما هي في حقيقتها صدى هندسةٍ دقيقةٍ صُمّمت لتبدو وكأنها رأيه؟ إنّ الانتخاب الحرّ يفترض ناخباً حرّاً، فماذا يبقى من حريّة الاختيار حين يُصنَع الرأي قبل أن يُسأل صاحبه، ويُهيّأ الموقف قبل أن يُعرَض السؤال؟

لطالما خشيت النظم الديمقراطية من القوة العارية: الدبّابة عند مدخل البرلمان، والرقيب الذي يشطب المقالات، والصوت الذي يُسرق علناً. غير أنّ ما يجترحه الذكاء الاصطناعي اليوم أدهى وأخفى، لأنه لا يصادر الإرادة بل يصنعها، ولا يمنع الكلام بل يُغرقه، ولا يُسكِت الرأي بل يُنتج منه نسخاً مزيّفة لا تُحصى حتى يعجز المرء عن تمييز ما هو أصيلٌ ممّا هو مُصنَّع. هنا تكمن المفارقة التي يرى الكاتب أنها جوهر الأزمة: أنّ خطر التقنية على الديمقراطية لا يأتي من قمعها للحرية، بل من محاكاتها المتقنة لها؛ فالطغيان القديم كان يقول للناس «اصمتوا»، أمّا الطغيان الخوارزمي الجديد فيقول لهم «تكلّموا كما شئتم»، ثم يتولّى هو ترتيب ما تسمعونه وما تصدّقونه وما تنسونه. إنّه استبدادٌ يرتدي قميص الحرية، ويوزّع على الجميع منبراً، بينما يحتفظ لنفسه بسلطة توجيه الأسماع.

لكي نفهم عمق هذا التحوّل، يجدر بنا أن نتذكّر أنّ الديمقراطية لم تكن يوماً مجرّد آليةٍ لعدّ الأصوات، بل هي بالأساس فضاءٌ عموميٌّ للتداول العقلاني، كما نظّر له يورغن هابرماس حين رأى أنّ شرعية القرار الجمعي تنبع من نقاشٍ حرٍّ بين مواطنين متساوين يتبادلون الحجج لا الشعارات. وقد قامت هذه الفكرة على فرضيةٍ صامتةٍ مفادها أنّ المعلومة متاحةٌ نسبياً، وأنّ المواطن قادرٌ على الوصول إلى وقائع مشتركة يبني عليها حكمه. بيد أنّ هذه الفرضية تتداعى اليوم تحت وطأة ما يسمّيه باحثو جامعة أوكسفورد في مشروعهم حول «الدعاية الحاسوبية» تلوّثاً منهجياً للبيئة المعلوماتية، إذ رصدت دراساتهم المتتالية حملاتٍ منظّمةً للتلاعب بالرأي العام في عشرات الدول عبر جيوشٍ من الحسابات الآلية والمحتوى المُوجَّه. والمسألة لم تعد، كما يرى الكاتب، مسألة كذبةٍ تنتشر، بل مسألة بنيةٍ كاملةٍ صار فيها الكذب قابلاً للتصنيع الصناعي بكلفةٍ تقترب من الصفر، وبسرعةٍ تفوق قدرة المؤسسات على التحقّق والتفنيد.

وقد أوضح باحثون في مختبرات معهد ماساتشوستس للتقنية، في دراساتٍ تتبّعت انتشار الأخبار على وسائل التواصل، أنّ الأخبار الزائفة تنتشر أسرع وأوسع وأعمق من الأخبار الصادقة، لا لأنّ خوارزميةً خبيثةً تدفعها وحدها، بل لأنها مصمّمةٌ لتدغدغ الانفعال والدهشة والغضب، وهي المشاعر التي تطيل بقاء المستخدم وتزيد تفاعله. وحين يلتقي هذا الميل البشريّ الفطريّ مع نماذج التعلّم العميق التي تُحسِّن نفسها لتعظيم الانخراط، تنشأ آلةٌ تكافئ الإثارة وتعاقب الرصانة. ويذهب الكاتب إلى أنّ المعضلة الأعمق ليست في «التضليل» بوصفه محتوى كاذباً، بل في «الاستقطاب» بوصفه هندسةً للوجدان؛ فالمنصّات لا تبيعنا الأكاذيب فحسب، بل تبيعنا نسخةً من العالم مفصّلةً على مقاس تحيّزاتنا، حتى يصير كلّ فريقٍ يعيش في واقعٍ موازٍ له وقائعه وأبطاله وأعداؤه، فتنهار الأرضية المشتركة التي بدونها يستحيل أيّ تداولٍ ديمقراطيٍّ أصلاً. وهكذا تتحوّل الساحة العامة من ميدانٍ للحوار إلى أرخبيلٍ من الجزر المعزولة، يصرخ كلٌّ منها في وجه الآخر دون أن يسمعه.

شاطئ الجبيل ثم جاءت النماذج التوليدية لتنقل المسألة من التضخيم إلى الخلق المحض. فما كان التلاعب القديم يحتاج إلى مادةٍ حقيقيةٍ يجتزئها أو يحرّفها، صار الذكاء التوليديّ قادراً على إنتاجه من العدم: خطابٌ لم يُلقَ، ومقطعٌ مصوّرٌ لحدثٍ لم يقع، وآلاف التعليقات التي تبدو صادرةً عن مواطنين حقيقيين بينما هي نسيجٌ خوارزميٌّ خالص. وقد نبّه تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لمخاطر العالم، في نسخه الأخيرة، إلى أنّ التضليل المعزَّز بالذكاء الاصطناعي بات يُصنَّف ضمن المخاطر العالمية قصيرة المدى الأشدّ إلحاحاً، لما له من قدرةٍ على زعزعة شرعية الانتخابات وتأجيج الانقسام المجتمعي. وهنا تتبدّى ظاهرةٌ يسمّيها الباحثون «عائد الكذّاب»، وهي أنّ مجرّد وجود التزييف العميق يمنح كلّ كاذبٍ ذريعةً لإنكار الحقيقة الموثّقة بوصفها مفبركة؛ فلا يعود الخطر أنّنا سنصدّق الزيف، بل أنّنا لن نصدّق شيئاً، وأنّ الشكّ الشامل سيقتل اليقين العموميّ الذي تقوم عليه المساءلة. وفي غياب اليقين تذبل المحاسبة، إذ كيف يُحاسَب حاكمٌ على فعلٍ صار من الممكن دائماً أن يُقال عنه إنه مُختلَق؟

شاطئ الجبيل وثمّة بُعدٌ أخطر يتجاوز التضليل الجمعيّ إلى الإقناع الفرديّ الموجَّه. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بنشر رسالةٍ واحدةٍ على الجميع، بل صار قادراً على نسج رسالةٍ مفصّلةٍ لكلّ ناخبٍ على حدة، تخاطب مخاوفه الدفينة وتعرف نقاط ضعفه النفسية من تحليل سلوكه الرقميّ، كما كشفت فضيحة استغلال البيانات الانتخابية التي هزّت الرأي العام قبل سنوات. ويرى الكاتب أنّ هذا الانتقال من الدعاية العامة إلى «الاستهداف النفسيّ الدقيق» يمثّل تحوّلاً نوعياً في طبيعة السلطة نفسها؛ إذ تنتقل القدرة على التأثير من امتلاك المنابر إلى امتلاك المعرفة الحميمة بالأفراد، فيصبح الناخب شفّافاً أمام من يسعى إلى توجيهه، بينما تظلّ آليات التوجيه معتمةً تماماً عليه. وتلك معادلةٌ مقلوبةٌ تماماً لما تفترضه الديمقراطية، التي تقوم على شفافية السلطة أمام المواطن لا على شفافية المواطن أمام السلطة.

غير أنّ المقاربة التي تكتفي بتصوير الذكاء الاصطناعي عدوّاً للديمقراطية تقعُ، في نظر الكاتب، في تبسيطٍ مُخلٍّ. فالأداة ذاتها التي تُستخدم لتفتيت الإجماع يمكن أن تُستخدم لترميمه؛ إذ تُجرى اليوم في جامعة ستانفورد وفي مراكز بحثٍ موازية تجاربُ على «التداول الرقميّ» تستعين بالخوارزميات لا لتضخيم الصراخ بل لتلخيص مواقف المتحاورين، وكشف نقاط الالتقاء المُغفَلة، وتمكين آلاف المواطنين من الإسهام في صياغة سياساتٍ عامةٍ بطريقةٍ يستحيل تحقيقها بالأدوات التقليدية. لقد بيّنت تجاربُ مثل منصّات التشاور الجماهيري في تايوان أنّ الذكاء الاصطناعي قادرٌ على أن يكون جسراً لا خندقاً، وأن يُعلي صوت التوافق فوق ضجيج التطرّف، إذا ما صُمّمت غاياته لخدمة العقل العموميّ لا لاستنزاف الانتباه. والمسألة إذن، كما يصرّ الكاتب، ليست في التقنية بوصفها قدراً، بل في اقتصادها السياسيّ؛ أي في النموذج الربحيّ الذي يجعل الإثارة أربح من الحقيقة، والانقسام أبقى من الوفاق. فحين نغيّر حوافز الآلة نغيّر سلوكها، وحين نعيد تعريف ما تكافئه نعيد تشكيل ما تنتجه.

وحين ننقل البصر إلى عالمنا العربيّ، تتّخذ المسألة طابعاً مضاعف الحساسية. فالمجتمعات التي تشهد تحوّلاتٍ تنمويةً عميقةً تحتاج إلى نقاشٍ عامٍّ رصينٍ يواكب طموحها، ويرى الكاتب أنّ التحدّي العربيّ المركزيّ هو حماية النضج المجتمعيّ الناشئ من عدوى الاستقطاب المُصنَّع الذي يستورده الفضاء الرقميّ بلا جمارك. ولعلّ ما تطرحه رؤية المملكة العربية السعودية لعام ألفين وثلاثين من رهانٍ على مجتمعٍ حيويٍّ واقتصادٍ معرفيٍّ يقدّم مدخلاً وجيهاً هنا؛ إذ إنّ بناء القدرات الوطنية في الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُختزل في البُعد الاقتصاديّ وحده، بل أن يمتدّ إلى صون سلامة الفضاء المعلوماتيّ بوصفه ركيزةً من ركائز السيادة الرقمية والتماسك الوطنيّ. فالأمّة التي تمتلك ناصية التقنية وتضع لها حوكمةً أخلاقيةً راسخةً تكون أقدر على تحويل الأداة من مصدر تهديدٍ إلى رافعةٍ للوعي الجمعيّ المسؤول، وعلى أن تنتج نموذجها الخاصّ في الموازنة بين انفتاح الفضاء العامّ وحماية نسيجه القيميّ.

ولكي لا يبقى التشخيص معلّقاً في فضاء التحذير، يقترح الكاتب ركائز عمليةً ثلاثاً. أولاها بناء «شفافيةٍ خوارزميةٍ» تُلزم المنصّات بالكشف عن منطق ترتيب المحتوى، فلا يبقى المواطن أعمى أمام يدٍ خفيةٍ تختار له ما يرى؛ وهو توجّهٌ تتبنّاه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها بشأن ذكاءٍ اصطناعيٍّ جديرٍ بالثقة. وثانيتها استنبات «مناعةٍ معرفيةٍ» عبر التربية الإعلامية التي تجعل النشء قادراً على التشكيك المنهجيّ والتحقّق قبل التصديق، فالحصانة الحقيقية ليست في الجدار الرقابيّ بل في العقل الناقد الذي يطلب الدليل قبل أن يمنح التصديق. وثالثتها تطوير حوكمةٍ مرنةٍ توسم المحتوى المُصطنَع وتحمي العمليات الانتخابية دون أن تنزلق إلى رقابةٍ تخنق حرية التعبير، وهي معادلةٌ دقيقةٌ يرى الكاتب أنّ نجاحها يقاس بقدرتها على حماية الحقيقة دون مصادرة الرأي.

ويضيف الكاتب بُعداً يغيب عن أكثر النقاشات، وهو أنّ خطر الرأي المُصنَّع لا يكمن في غزارته فحسب، بل في تسلّله إلى الثقة بوصفها رأسمالاً اجتماعياً لا يُعوَّض بسهولة. فالديمقراطية تعمل بوقود الثقة: ثقة المواطن في صحّة العملية، وثقته في صدق المؤسسات، وثقته في أنّ صوته يُحسَب وأنّ خصمه إنسانٌ حقيقيٌّ يحقّ له ما يحقّ له. فحين تُغرَق الساحة بالحسابات الزائفة والمحتوى المُولَّد آلياً، لا يتآكل اليقين بالوقائع وحده، بل تتآكل الثقة بالآخرين أنفسهم، حتى يرتاب المواطن في كلّ صوتٍ يخالفه فيحسبه آلةً أو مأجوراً. وتلك، في تقدير الكاتب، أفدح خسائر العصر الخوارزميّ: لا أن نختلف، فالاختلاف روح الديمقراطية، بل أن نفقد القدرة على أن نرى في المختلف عنّا شريكاً في الوطن يستحقّ الإصغاء. ومن هنا فإنّ معركة استعادة الفضاء العامّ ليست معركةً تقنيةً بحتة تُخاض بالخوارزميات المضادّة وحدها، بل هي في عمقها معركةٌ أخلاقيةٌ وتربويةٌ لإعادة بناء عقدٍ ضمنيٍّ يجعل الحقيقة قيمةً مشتركةً نتعاهد على صونها قبل أن نختلف في تأويلها.

تبقى الديمقراطية، في جوهرها، رهاناً على عقل الإنسان وقدرته على الحكم الرشيد، والذكاء الاصطناعي ليس نهاية هذا الرهان بل امتحانه الأقسى. فإمّا أن نتركه يصوغ آراءنا فنغدو ناخبين بأجسادٍ حرّةٍ وعقولٍ مُستعمَرة، وإمّا أن نُخضِعه لإرادتنا الجمعية فيغدو خادماً لنضجنا لا صانعاً لوهمنا. والسؤال الذي يفتح به الكاتب الأفق ليس «هل ستنجو الديمقراطية من الخوارزميات؟»، بل «أيّ نوعٍ من المواطنين نريد أن نكون في حضرة آلةٍ تعرف كيف تقنعنا أكثر ممّا نعرف نحن كيف نفكّر؟»؛ فمستقبل الصندوق لن تحسمه شيفرات البرمجة، بل قدرتنا على أن نظلّ، وسط هدير الرأي المُصنَّع، أصواتاً تفكّر قبل أن تُصوّت، وعقولاً تملك من اليقظة ما يحوّل الآلة من سيّدٍ خفيٍّ إلى أداةٍ في خدمة حريّةٍ تعرف كيف تحرس نفسها.